الجزء الأول: أصول الخوارج الأوائل وسماتهم: مقارنة مع التيارات المعاصرة
من كتاب "أصول الخوارج المتقدمين" للدكتور إبراهيم المحيميد: تحذيرٌ من الانزلاق في فخّ التكفير والعنف
في ظلّ التحديات الفكرية والاجتماعية التي تواجهها الأمة الإسلامية اليوم، يكتسب فهم جذور التطرّف وأصوله التاريخية أهميةً بالغة. ومن هذا المنطلق، نستعرض موجزًا مقتبسًا من كتاب "أصول الخوارج المتقدمين" للدكتور إبراهيم المحيميد، والذي يُعدّ مرجعًا علميًّا رصينًا في تحليل منهج الخوارج الأوائل وتمييز سماتهم، لا لغرض التأريخ فحسب، بل للكشف عن استمرارية هذه السمات في بعض التيارات المعاصرة التي تدّعي الانتماء للإسلام بينما تُعيد إنتاج أفكارٍ منحرفة أدت عبر التاريخ إلى الفتنة والدمار.
يستعرض المؤلف في هذا الموجز سبعة عشر أصلًا رئيسًا تميّز بها الخوارج الأوائل، ويبيّن كيف أن هذه الأصول لم تختفِ بمرور الزمن، بل تحوّرت وظهرت في خطاباتٍ معاصرة تُغذّي العنف، وتُبرّر التكفير، وتُشجّع على الخروج على الحُكام وسفك الدماء. وفيما يلي عرضٌ تحليلي لهذه الأصول مع تسليط الضوء على خطورتها الفكرية والعملية:
- إقصاء العلماء والاعتماد على الجهلة: من أبرز سمات الخوارج احتقارهم لأهل العلم الشرعي، والاعتماد على رؤوسٍ جاهلة يقودون أتباعهم إلى المهالك، متجاهلين منهج التأصيل والاجتهاد المبني على العلم والورع.
- التركيز المفرط على مسألة "الحاكمية": بدأ الخوارج خروجهم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه تحت شعار "لا حكم إلا لله"، لكنهم حرّفوا هذا المفهوم وجعلوه ذريعةً للتمرّد. وقد زاد المعاصرون عليهم بتأويل الإسلام تأويلًا سياسيًّا مبتورًا، بعيدًا عن روح الشريعة ومقاصدها.
- تكفير حكام المسلمين: نتج عن هذا التأويل المنحرف تكفير جميع الحكام المسلمين، بغض النظر عن نواياهم أو أعمالهم، وهو مبدأٌ يُخالف أصول أهل السنة في التعامل مع ولاة الأمور.
- توسيع دائرة التكفير لتضمّ العامة: اعتمد الخوارج قاعدةً خطيرة مفادها: "من لم يكفر الكافر فهو كافر"، وطبّقوها على كل من لم يوافقهم في تكفير الحكام، حتى شملت أئمة المساجد وعمال النظافة! واليوم، قد ينكر البعض هذه القاعدة لفظيًّا، لكنهم يطبّقونها عمليًّا، وهو ما يجعل العبرة بالمقاصد لا بالألفاظ.
- ربط الولاء والبراء بال موقف من الحكام: جعل الخوارج معيار الإيمان والكفر هو الموافقة على تكفير الحكام، فمَن وافقهم كان "مؤمنًا" ولو ارتكب الكبائر، ومَن خالفهم كان "كافرًا" ولو كان من أهل الصلاح والعبادة.
- الخروج المسلح على الحكام: يرى الخوارج أن الوصول إلى السلطة يبرّر كل الوسائل، حتى لو أدّى ذلك إلى إراقة الدماء وانتهاك الأعراض، بل ويعدّون هذا الخروج "عبادة"!
- استباحة الدماء: يشبّه المؤلف سلوك الخوارج عند خروجهم بـ"البركان الثائر"، فهم لا يفرقون بين مسلم وكافر، بل يستبيحون دماء المسلمين قبل غيرهم.
- تقديم قتال المسلمين على قتال الكفار: انطلاقًا من قاعدة "قتال المرتد أولى من قتال الكافر الأصلي"، يُوجّه الخوارج سهامهم نحو مجتمعاتهم المسلمة، مما يُضعف الأمة من الداخل.
- وصف ديار المسلمين بدار الكفر: يزعمون أن بلاد المسلمين أصبحت "دار حرب" أو "دار ردة" لأن حكامها — بزعمهم — كفّار، وهو ادعاءٌ يُهدّد وحدة الأمة ويشجّع على التمرّد والهجرة.
- الدعوة إلى الهجرة والعزلة: بناءً على ما سبق، يدعون أتباعهم إلى مغادرة بلادهم والانعزال عنها، بحجة أنها "دار كفر"، مما يُفقِد المجتمعات المسلمة طاقاتها وشبابها.
- استباحة أهل الذمة: يذهب بعض الخوارج إلى تكفير من يمنح الأمان لأهل الذمة، باعتباره "حاكمًا مرتدًّا"، وبالتالي يُستباح دم من يعيش تحت حمايته، وهو موقفٌ يُناقض صريح النصوص الشرعية التي تُقرّ حقوق أهل الذمة.
- خلع البيعة ومبايعة أنفسهم: يزعمون أن بيعة الحاكم تبطل بمجرد ارتداده — بحسب زعمهم —، فيخلعون الطاعة ويبايعون أنفسهم، مُبرّرين بذلك الفوضى والانشقاق.
- قتل النساء والأطفال: يصل بهم التطرّف إلى تكفير نساء وذراري المسلمين الذين يعيشون تحت سلطة "الحكام المرتدين"، بحجة رضاهم بالوضع القائم، وهو تطرفٌ لا يقرّه عقلٌ ولا شرع.
- النظر إلى الناس على أنهم إما مؤمنون أو كفّار: يرفض الخوارج أيّ تدرّج في الإيمان أو الكفر، ويقسمون الناس إلى فريقين: فريقهم "المؤمن"، وبقية الناس "الكفار".
- مقاطعة الجماعات الإسلامية: يهجرون أهل السنة والجماعة، ويعتبرون أنفسهم الجماعة الوحيدة على الحق، مما يعزّز عزلتهم ويُعمّق انحرافهم.
- التكفير الجماعي: من أخطر سمات الخوارج، حيث لا يكتفون بتكفير الأفراد، بل يعمّمون التكفير على فئات كاملة، كالجيش، والشرطة، والموظفين، بل وحتى المدرّسين وأئمة المساجد!
- القتل الجماعي: كان الخوارج الأوائل يخرجون إلى الأسواق يقتلون الناس صارخين "لا حكم إلا لله"، واليوم، استُبدلت سيوفهم بالسيارات المفخخة، لكن الهدف واحد: بثّ الرعب وسفك الدماء باسم الدين.
خاتمة وتحذير
يُشير الدكتور المحيميد إلى أن جذر هذه البلايا كلّها يعود إلى إقصاء أهل العلم والانزلاق في تكفير الحكام، فكلّ انحرافٍ خارجي ناتجٌ عن هذين الركنين. ولعلّ في هذا التنبيه درسٌ عظيمٌ لكل من يُقدّم رأيه على علماء الأمة، أو يُسرف في تكفير المسلمين بغير بيّنة.
وقد حذّر النبي ﷺ من هؤلاء بقوله: «يَخْرُجُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ... هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ»، بل وصفهم بأنهم «كِلابُ النَّارِ»، حتى وإن تزيّوا بزيّ أهل السنة، وذرفوا الدموع على مآسي الأمة.
لذا، فإن التحصّن بالعلم الشرعي الصحيح، والتمسّك بمنهج أهل السنة والجماعة، والابتعاد عن الغلوّ والتكفير، هو السبيل الوحيد لدرء فتنة الخوارج — قديمهم وحديثهم — والحفاظ على وحدة الأمة وسلامها.
يتبع ..
*المصدر: مقتطف من كتاب "أصول الخوارج المتقدمين" للدكتور إبراهيم المحيميد، مع تعليقٍ تحليليٍّ لأغراض التوعية والتحذير جمعها وأعدها المتفائل.
تعليقات
إرسال تعليق