لماذا تدعم إيران فلسطين؟ ولماذا تبدو المقاومة الفلسطينية غير فاعلة؟

مقال موضوعي: لماذا تدعم إيران فلسطين؟ ولماذا تبدو المقاومة الفلسطينية غير فاعلة؟

مقدمة: التناقض الظاهري في الدعم الإيراني لفلسطين

تثير سياسة إيران تجاه فلسطين تساؤلات كثيرة، خصوصًا في ظل التوجه الديني المتشدد الذي يُنسب للنظام الإيراني، والذي يُفترض أنه يرى القدس "في السماء الرابعة" لا على الأرض، كما يُقال. فلماذا إذًا تدعم طهران فصائل فلسطينية — خاصة حماس — رغم أن فلسطين ليست جزءًا من الهوية المذهبية الشيعية؟ ولماذا تُتهم هذه الفصائل بأنها "منشقة" عن المشروع الوطني الفلسطيني، ومع ذلك تحظى بدعم خارجي مكثف؟

الإجابة لا تكمن في الدين وحده، بل في الحسابات الجيوسياسية، والأيديولوجيا الثورية، والتحالفات الاستراتيجية.

أولًا: لماذا تدعم إيران فلسطين؟

1. التحالف الأيديولوجي والسياسي

الكاتب والثوري الإيراني علي شريعتي، الذي أثّر في تشكيل الهوية الثورية للجمهورية الإسلامية، كان يرى في القضية الفلسطينية رمزًا للصراع ضد الاستعمار والهيمنة الغربية. وقدّمها كقضية إسلامية جامعة، لا شيعية ولا سنية، بل "قضية المستضعفين ضد المستكبرين". وهذا الإطار يتناسب تمامًا مع الخطاب الثوري الإيراني بعد 1979.

2. الدعم المادي والسياسي لحماس

كما قال خالد مشعل، القيادي التاريخي في حماس: "وجدنا في إيران الأب البار لنا". فبعد فوز حماس بالانتخابات التشريعية عام 2006، وفرض الحصار الدولي عليها، وتوقف الرواتب والمخصصات، أصبح الدعم الإيراني هو المنقذ الوحيد. لم يكن هذا الدعم خيريًا، بل كان استثمارًا سياسيًا واستراتيجيًا في حليف يُمكنه أن يكون رأس حربة ضد "إسرائيل" في قلب المنطقة.

3. إيران لا تدعم فلسطين من منطلق ديني فقهي، بل من منطلق "ثوري" و"مقاوم"

فالنظام الإيراني يرى نفسه قائدًا للمحور المقاوم ضد الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية. وفلسطين، في هذا السياق، هي القضية المركزية التي تمنحه شرعية إقليمية وإسلامية، حتى لو كانت القدس "في السماء الرابعة" دينيًا، فهي على الأرض رمز للصراع.

ثانيًا: لماذا تبدو المقاومة الفلسطينية غير فاعلة؟

هنا ننتقل إلى التحليل الموضوعي الذي قدمه الكاتب المصري الكبير محمد حسنين هيكل، والذي لا يزال يُعد من أعمق التحليلات الاستراتيجية للقضية الفلسطينية.

ثلاث نقاط جوهرية من هيكل:

لا يمكن لأحد أن يطلب من المقاومة الفلسطينية تحقيق نتيجة حاسمة... فهي ليست بديلاً عن المواجهة المسلحة بين جيوش وأساطيل وطيران.

أي أن المقاومة — مهما بلغت بطولتها — لا يمكنها أن تحقق ما حققته الجزائر أو فيتنام، لأن الظروف مختلفة جذريًا.

ثلاثة عوامل استراتيجية تجعل النجاح مستحيلاً تحت الظروف الحالية:

  • أ. التوازن البشري:
    في فلسطين: أقل من مليون عربي مقابل أكثر من مليونين إسرائيلي، ربعهم تحت السلاح.
    في الجزائر: 10 ملايين عربي ضد 400 ألف فرنسي.
    في فيتنام: 40 مليون فيتنامي ضد 500 ألف أمريكي.
  • ب. طبيعة الأرض:
    فلسطين سهول مكشوفة، لا غابات كثيفة ولا جبال وعرة تُخفي المقاومين. والعدو يستخدم طائرات الهليكوبتر والطائرات المسيرة والمراقبة الإلكترونية.
  • ج. غياب الملجأ الآمن:
    المقاومة الفلسطينية لا تملك قاعدة خلفية آمنة. فعدوها — إسرائيل — قادر على ضرب أي مكان في العالم العربي، والعالم العربي نفسه "مضروب ولم يستعد قوته بعد".

ثالثًا: إضافات تحليلية لفهم تعقيدات المقاومة الفلسطينية اليوم

إلى جانب تحليل هيكل، هناك عوامل أخرى تُضعف فاعلية المقاومة:

1. انقسام فلسطيني داخلي

غياب القيادة الموحدة بين الضفة وغزة، والانقلاب الذي نفذته حماس عام 2007، أضعف من المشروع الوطني الفلسطيني، وحوّل الصراع من "تحرير الأرض" إلى "صراع على السلطة".

2. تدخلات خارجية تخدم مصالحها

إيران ليست وحدها، لكنها الأبرز. دعمها لحماس ليس من باب التضامن مع الشعب الفلسطيني، بل من باب توسيع نفوذها في المنطقة، واستخدام غزة كورقة ضغط ضد إسرائيل والغرب. وهذا يحوّل القضية الفلسطينية إلى ورقة تفاوض في صراعات إقليمية أكبر.

3. غياب العقيدة الجهادية الصحيحة

الجهاد في الإسلام له ضوابط وأخلاقيات. استهداف المدنيين، واستخدام التفجيرات الانتحارية، يتناقض مع المبادئ الإسلامية، ويُضعف التعاطف الدولي، ويُعطي العدو مبررات أخلاقية للرد بقوة أكبر.

4. جهل بعض الفصائل بقواعد السياسة الحديثة

كما يُقال: "حماس لا تعرف من تقاتل". فهي تتعامل مع عدو لا يعرف الرحمة، ومدعوم من أقوى دول العالم، ومع ذلك تستمر في تكتيكات لا تحقق أهدافًا استراتيجية، بل تثير ردود فعل مدمرة.

5. فرق جوهري بين الثورة والحرب

  • الثورة: حركة شعبية داخلية ضد مستعمر (كما في الجزائر).
  • الحرب في غزة: صراع بين طرف لا يملك دولة وجيشًا، وطرف يملك أقوى جيش في المنطقة، ومظلة أمريكية كاملة.

هذا الفارق يجعل من "المقاومة" في غزة أشبه بـ"معركة وجود" أكثر منها "معركة تحرير".

6. العقيدة الحزبية لحماس

رغم انفصال حماس الرسمي عن جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن أفكارها قريبة من "الإخوان" — بل ومن "الخوارج" في نظر بعض المراقبين — حيث تُقدّم الولاء الحزبي على الوطني، وتُبرر العنف ضد المدنيين باسم "المصلحة".

7. المقاومة من خارج الدولة

كما ذكر بعض قيادات حماس أنفسهم: المقاومة تُدار من خارج مؤسسات الدولة. وهذا يُضعف التنسيق، ويُشتت الجهود، ويُفقد المقاومة شرعيتها كممثل للشعب.

8. تجارب مقاومة فشلت تمامًا

مثل مقاومة الهنود الحمر في أمريكا الشمالية — حيث لم يُكتب لها النجاح، بل انتهت بإبادة شبه كاملة. هذا تذكير بأن "المقاومة" ليست دائمًا طريقًا للنصر، بل قد تكون طريقًا للمأساة إذا لم تكن مدعومة بظروف موضوعية مواتية.

خاتمة: القضية الفلسطينية... بين الأيديولوجيا والواقع

إيران تدعم فلسطين ليس حبًا في الفلسطينيين، بل لأنها ترى فيهم وسيلة لتعزيز مشروعها الثوري والإقليمي. وحماس تتلقى هذا الدعم لأنها في عزلة دولية، وليس لأنها تمثل الخيار الأمثل للشعب الفلسطيني.

أما المقاومة — رغم بطولتها — فهي تفتقر إلى الشروط الموضوعية للنجاح: التوازن البشري، والجغرافي، والاستراتيجي، والسياسي، والأخلاقي.

الحل لا يكمن في تمجيد المقاومة كقيمة مطلقة، بل في فهمها كأداة ضمن استراتيجية شاملة — سياسية ودبلوماسية وعسكرية — لا يمكن أن تنجح إلا بتوحيد الصف الفلسطيني، واستعادة الشرعية الوطنية، وبناء تحالفات إقليمية ودولية حقيقية، لا مبنية على مصالح مؤقتة أو أيديولوجيات حزبية ضيقة.

الثورة ليست انتحارًا... والمقاومة ليست تفجيرًا... والنصر لا يُبنى على جثث الأطفال، بل على عقول الكبار.

المراجع:

  • علي شريعتي: "الإسلام هو المقاومة".
  • خالد مشعل: مقابلات صحفية حول الدعم الإيراني.
  • محمد حسنين هيكل: مقال في جريدة الأهرام، ص 35.
  • تحليلات سياسية واستراتيجية معاصرة.

هذا المقال يجمع بين التحليل الموضوعي والنقدي، دون تحيز، ويقدم رؤية شاملة للسؤالين المركزيين: لماذا تدعم إيران فلسطين؟ ولماذا لا تنجح المقاومة؟ — معتمدًا على مصادر موثوقة ومحللين كبار.


جمع هذه المادة وحررها: المتفائل

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي