عندما يصبح العقل ضيفًا ثقيلًا

عندما يصبح العقل ضيفًا ثقيلًا... ومَن يصدق الجسر السري يصدق السحالي!

مقدمة: في زمنٍ تُباع فيه الحقائق وتُشترى الخرافات، يصبح من يرفض تصديق المستحيل... هو المُدان. ومن يطلب دليلًا قبل أن يُصدّق... هو "المنبطح". لكن ماذا لو أن من يُسمّى منبطحًا هو الوحيد الذي لم ينبطح أمام جنون العصر؟ هذا المقال  يأخذك في جولة بين الجسور الوهمية، والسحالي المتحضرة، والعقول التي اختارت أن تطير... بلا أجنحة.

أيها السادة، أيتها العقول التي تُشبه مظلاتٍ مقلوبة — تجمع الماء بدل أن تحمي من المطر — اسمعوا لي قبل أن ترسلوا لي آخر نظرية مؤامرةٍ وصلتكم عبر "عمّك في الواتساب".

لقد بلغني — وأنا أتصفح عالم الإنترنت حيث العقل يُعلّق على الباب كمعطفٍ مبلّل — أن هناك من يؤمن بوجود "جسر بري" سري بين السعودية والأردن... لا لنقل التمر أو البن أو حتى المشايخ... بل لنقل المساعدات إلى إسرائيل! نعم، يا سادة، جسرٌ خفيٌّ — ربما تحت الأرض، أو فوق السحاب، أو مموّهٌ بجمالٍ ترتدي عقالًا — يمرّ منه كل شيء: دبابةٌ هنا، صاروخٌ هناك، وربما حتى شاحنة بطيخٍ مكتوب عليها "من أرض الحجاز إلى أرض الميعاد".

والعجيب — لا، المُضحك المبكي — أن من يصدق هذا، لا يكتفي به. كلا! بل يفتح ذراعيه — وعقله — لاستقبال كل ما هو أغرب: السحالي المتحضّرة التي تحكم العالم، والرؤساء الذين يخلعون أقنعتهم البشرية عند منتصف الليل ليشربوا دماء الأطفال، والأرض التي — رغم كل الأقمار الصناعية — لا تزال مسطحة كالصينية التي تُقدّم عليها القهوة في المجالس!

يا لها من عقولٍ رحبة! كالبالون — كلما ضخمتها بأي خرافة، ازدادت انتفاخًا... حتى تنفجر، فتتطاير منها نظرياتٌ كحبات العدس المسلوق.

العقل ليس وعاءً نملأه بكل ما يمرّ أمامنا، بل مصفاة نُمرّر من خلالها الأفكار — فنحتفظ بما يُعقل، ونرمي ما يُضحك حتى الثكالى.

من يصدق أن هناك جسرًا بريًا سريًا لنقل المساعدات إلى إسرائيل — وهو يرى أن العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين الدول تُدار بوثائقٍ وبياناتٍ وتصريحاتٍ علنية — فهذا لا ينقصه "وعي"، بل ينقصه... تمحيص. نعم، التمحيص — تلك الكلمة القديمة التي كانت تعني: "انتظر قليلاً، فكّر، اسأل، تحقق، ثم آمن — إن آمنت".

أما من ينتقل من "الجسر البري" إلى "السحالي الحاكمة" ثم إلى "الأرض المسطحة" في جلسةٍ واحدة — فهذا ليس باحثًا عن الحقيقة، بل هو سائحٌ في متحف الخزعبلات، يلتقط الصور مع كل أسطورة، ويكتب تعليقًا: "صدقوني، كل هذا حقيقي!".

أيها الأصدقاء — إن كنتم كذلك — لا أطلب منكم أن تصدقوا الحكومات، فالحكومات — كما يقول المتفائل — "قد تكذب، لكنها نادرًا ما تبني جسورًا سرية فوق الصحراء لتوصيل البسكويت لإسرائيل". أطلب منكم فقط أن تُشغّلوا عقولكم. أن تسألوا: من أين جاءت القصة؟ هل هناك صورة؟ خريطة؟ شاهد عيان؟ أم أنها وصلتكم مع فيديو موسيقاه من فيلم رعبٍ قديم؟

العقل — يا سادة — ليس خصمًا للوطنية، بل حارسها الأمين. فمن يُصدّق كل شيء، يُصبح ألعوبةً بيد كل أحد. ومن يُصدّق أن السعودية تبني جسورًا سرية لإسرائيل — بينما لا تستطيع أن تخفي مشروع مترو — فهذا لا يُشكّك في السياسة، بل يُشكّك في... منطقه الخاص.

فليُصدّق من شاء بالجسر، وبالسحالي، وبالعالم المسطح... أما أنا — فسأظل أفضّل أن أُدعى "منبطحًا" على أن أُدعى "أحمقًا"... لأن الأول يُدافع عن وطنه بصمتٍ وعقل، والثاني يُدافع عن خرافاته بصراخٍ... وبدون عقل.

خلاصة القول: في زمنٍ أصبح فيه التصديق بلا دليل علامة ولاء، والتشكيك دليل خيانة — تذكّر دائمًا: الوطنية لا تُقاس بحجم صراخك، بل بعمق عقلك. من يصدق المستحيل... لا يملك شجاعة الشك، بل يملك خواء الفكر. فاختر أن تكون من يُدعى "منبطحًا" لأنه رفض أن ينبطح أمام خرافة... خيرٌ لك من أن تُدعى "وطنيًا" لأنك صدّقت أن تحت البرلمان سحلية ترتدي ربطة عنق!

المتفائل العربي، من قريته التي لا يوجد فيها جسرٌ سري... لكن يوجد فيها كرسيٌ مريحٌ للعقلاء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي