نقد سردية "الانتصار" عند ما يُسمّى بـ"محور المقاومة": حماس وذيول إيران في المنطقة

نقد سردية "الانتصار" عند ما يُسمّى بـ"محور المقاومة": حماس وذيول إيران في المنطقة

في ظلّ تعقيدات المشهد السياسي والإعلامي العربي، برزت في العقدين الأخيرين سردية خطيرة تُروّج لها أطراف إقليمية وسياسية تحت مسمّى "محور المقاومة" — وهو تعبير يُراد به تجميل مشروع توسع إيراني مُقنَّع بثوب المقاومة والتحرير. وفي قلب هذا المحور تأتي حركة حماس، ليس كحركة تحرر وطني فلسطينية فحسب، بل كذراع إقليمي لإيران، تُوظّف في صراعاتها، وتُقدّم كنموذج "منتصر" رغم الواقع المرير الذي يعيشه الشعب الفلسطيني تحت حكمها في غزة، ورغم التضحيات الجسام التي تُقدّم باسم "المقاومة" دون تحقيق أيّ تقدّم استراتيجي حقيقي على الأرض.

أولًا: سردية الانتصار.. بناء وهمي على أنقاض الواقع

تقوم سردية "الانتصار" عند "محور المقاومة" على آلية نفسية وإعلامية مُحكمة: تحويل الهزائم إلى "انتصارات استراتيجية"، وتحويل الخسائر البشرية إلى "بطولات"، وتحويل الدمار إلى "صمود"، وتحويل الفشل السياسي إلى "مؤامرة خارجية".

ففي كل جولة صراع مع إسرائيل — من حرب 2008 إلى 2023 — يُعلن قادة حماس وحلفاؤهم في طهران وحزب الله "انتصارًا استراتيجيًا"، رغم أن:

• غزة تخرج من كل حرب أكثر دمارًا، وأشد فقرًا، وأعمق عزلة.

• لم يتحرّر شبر من فلسطين.

• لم يعد لاجئ، ولم يُفتح معبر، ولم يُرفع حصار بشكل دائم.

• استمرت إسرائيل في توسعها الاستيطاني، وتهويد القدس، وقضم الضفة.

لكن الإعلام التابع للمحور، والمموّل من طهران، يُعيد تشكيل الوعي: الصواريخ التي تسقط على إسرائيل — ولو في حقول فارغة — تصبح "هزّت عرش تل أبيب"، والخسائر البشرية — ولو كانت من المدنيين — تصبح "أسطورة الشهادة"، والدمار — ولو كان شاملًا — يصبح "دليل صمود".

هذا ليس مقاومة، بل تسويق للهزيمة.

ثانيًا: حماس.. من حركة تحرر وطني إلى ذيل إقليمي لإيران

لم تكن حماس دائمًا على هذا النهج. في تسعينيات القرن الماضي، كانت — رغم أيديولوجيتها — تُنظر إليها كجزء من المشهد الفلسطيني المقاوم. لكن مع تحوّلها الاستراتيجي نحو طهران بعد انقلاب 2007 في غزة، أصبحت جزءًا عضويًا من "محور المقاومة" الإيراني، الذي لا يخدم إلا أجندة طهران في مواجهة العرب والغرب، لا تحرير فلسطين.

اليوم، حماس:

• تتلقّى تمويلًا وسلاحًا وتدريبًا من إيران.

• تنسّق عسكريًا مع حزب الله اللبناني، الذراع الإيراني في لبنان.

• تُستخدم كورقة ضغط إيرانية في المفاوضات الدولية.

• تُضحّي بالفلسطينيين في غزة لتحقيق أهداف إقليمية لا علاقة لها بتحرير القدس.

هل هذا مقاومة؟ أم استغلال للقضية الفلسطينية كغطاء لمشروع هيمنة إيراني؟

عندما يُضحّي قادة حماس بأرواح أطفال غزة لرفع شعارات "الموت لإسرائيل" بينما يجلسون في طهران أو الدوحة، فهذا ليس جهادًا، بل خيانة للدم الفلسطيني.

ثالثًا: "ذيول إيران" في المنطقة.. من ينتصر حقًا؟

مصطلح "ذيول إيران" ليس ازدراءً، بل وصف دقيق لواقع سياسي: ففي لبنان، حزب الله — الذي يدّعي أنه "مقاوم" — حوّل لبنان إلى دولة فاشلة، وأشعل حروبًا داخلية، وخرب اقتصاده، وكل ذلك باسم "المقاومة". وفي العراق، الميليشيات الموالية لإيران — مثل كتائب حزب الله والعصائب — تقتل المتظاهرين وتفرض الوصاية الإيرانية باسم "محاربة أمريكا". وفي اليمن، الحوثيون — الذين يرفعون شعار "الموت لإسرائيل" — لم يطلقوا صاروخًا واحدًا على إسرائيل، لكنهم دمّروا اليمن باسم "نصرة القدس".

فمن ينتصر هنا؟

• هل ينتصر الشعب اللبناني وهو يغرق في الفقر والانهيار؟

• هل ينتصر العراقي وهو يرى مليشيات تطلق النار على صدوره؟

• هل ينتصر اليمني وهو يموت جوعًا تحت قصف طائرات التحالف والحوثيين؟

• هل ينتصر الفلسطيني في غزة وهو يأكل من "المساعدات القطرية" التي تأتي بموافقة إسرائيلية؟

لا. المنتصر الوحيد هنا هو إيران، التي توسّعت نفوذها من طهران إلى بيروت، ومن صنعاء إلى غزة، باسم "المقاومة"، بينما الشعوب تدفع الثمن.

رابعًا: لماذا تنجح هذه السردية؟

لأنها تستغل:

1. عاطفة الأمة: فقضية فلسطين مقدسة، ومن يدّعي الدفاع عنها يُمنح حصانة أخلاقية.

2. فشل بعض الأنظمة العربية: فعندما تقاعست الحكومات عن فعل شيء، أصبحت "المقاومة" — حتى لو كانت إيرانية — بديلًا نفسيًا للجماهير.

3. آلة إعلامية ضخمة: تموّلها إيران وتديرها ببراعة، تحوّل الهزيمة إلى أسطورة، والانتحار إلى بطولة.

4. غياب النقد الموضوعي: فكل من ينتقد "المقاومة" يُتهم بالخيانة أو العمالة، فيُسكت النقد، وتستمر الأسطورة.

خامسًا: ما البديل؟

البديل ليس الاستسلام، بل إعادة تعريف المقاومة:

• مقاومة حقيقية لا تُدمّر شعبها.

• مقاومة لا تُوظّف قضيتها لخدمة مشاريع إقليمية.

• مقاومة لا تُقدّس الموت، بل تُقدّس الحياة والتحرير الحقيقي.

• مقاومة لا تُغلق المعابر على شعبها، ولا تسرق إغاثته، ولا تمنع عنه الكهرباء والدواء.

البديل هو مشروع وطني فلسطيني موحّد، بعيدًا عن المحاور، يضع مصلحة الشعب الفلسطيني أولًا، لا مصلحة طهران أو الدوحة أو غيرها.

خاتمة: الانتصار الحقيقي لا يُعلن.. يُبنى

الانتصار الحقيقي لا يُعلن عبر خطابات السيد نصر الله أو خامنئي أو هنية. الانتصار الحقيقي يُبنى بتحرير الأرض، وإعادة الإعمار، وتوحيد الصف، وبناء المؤسسات، ورفع الحصار، وعودة اللاجئين.

ما يحدث اليوم ليس انتصارًا، بل استنزاف ممنهج للشعوب باسم المقاومة، واستثمار دمائها في معركة ليست معركتها.

حين يُقدّم الفلسطيني في غزة قوته اليومي ثمنًا لـ"انتصار" لا يراه، وحين يُقدّم اللبناني أمنه واستقراره ثمنًا لـ"مقاومة" حوّلت بلاده إلى دولة فاشلة، فهذا ليس انتصارًا — هذا انتحار جماعي باسم الأيديولوجيا.

السؤال الذي يجب أن يُطرح: إلى متى سنسمح لسردية "الانتصار" أن تخدعنا، بينما الواقع يُذلّنا؟

الحق لا يُنتصر عليه، لكنه لا يُنتصر به أيضًا إلا إذا كان في خدمة الإنسان، لا في خدمة المشروع الإيراني.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي