مكاتب الكذب مقال فلسفي أدبي ساخر

مكاتب الكذب: حيث تُباع الأوطان بثمن بخس… وتشترى الكراهية بالتقسيط

تأملات ساخرة على طريقة المتفائل — كتبها فيلسوفٌ ضاع طريقه إلى مصنع الشائعات


إعلان توظيف وجودي (لمن فقد معنى الحياة… ويريد أن يفقد معنى الحقيقة أيضًا)

مطلوب فورًا:

فيلسوف الكذب الرقمي — شهادة في “العدم المُربح” مطلوبة، وخبرة في “تحويل الواقع إلى فيلم رعب من إنتاج إيراني” تُعدّ ميزة.

المهام:

  • ابتكار ٣ كوارث وهمية يوميًا تُنسب للسعودية (مثال: “السعودية تسرق الأكسجين من رئتي الأطفال!”).
  • إدارة ٥٠ حسابًا وهميًا، مع القدرة على البكاء عند تعطّل الواي فاي — لأن نهاية العالم تبدأ حين لا تُنشر الشتيمة.
  • تأليف تعليقات تجمع بين البلاغة العربية والحماقة المطلقة — كأن تقول: “لو لم تكن السعودية موجودة، لكان النيل يجري عسلًا!”

المزايا:

  • راتب: نظرة رضا من المدير + وعد بالخلود في ذاكرة الترند + كوب شاي بارد يُذكّرك بأن لا شيء في حياتك دافئ.
  • الترقية: من “كذّاب مبتدئ” إلى “مُنظّر المؤامرة” إلى “مُخلّص الأمة… من السعودية فقط”.
  • التقاعد: لا يوجد. فالكراهية لا تعرف سنّ الشيخوخة… فقط الإرهاق.

زيارة فلسفية إلى جحيمٍ يُسمّى “مكتب”

دخلتُ أحد هذه المعابد المقدسة — في حيّ فقير من بغداد — حيث الكهرباء تنقطع كل ساعة، والماء ملوّث، والتعليم مفقود… لكن “الحقيقة” — كما يدّعون — لا تنقطع أبدًا!

هناك، جلسوا خلف شاشات متصدّعة، أعينهم تلمع كذئاب جائعة… لا للطعام، بل للإساءة. أحدهم يكتب: “السعودية تمنع المطر لأنها تخشى أن يغسل ذنوبها!” وآخر يصرخ: “لقد اكتشفتُ أن السحاب يُدار من الرياض!” وثالث يهمس: “لا تقل هذا… قل إنهم يسرقون السحب ويبيعونها لإسرائيل!”

سألتُ مدير المكتب — رجلٌ يُدعى “الدكتور أبو الهذيان” — عن فلسفته في الحياة. فأجابني بجدية فيلسوف يوناني:

“يا بني… لا تبحث عن الحقيقة، فلن تجدها.

لكن ابحث عن عدو… وستجد كل شيء.

التعليم؟ مشكلة.

الصحة؟ كارثة.

الفساد؟ طوفان.

لكن إذا قلت: ‘كل هذا بسبب السعودية!’… فجأة يصبح كل شيء واضحًا.

إنها معادلة فيثاغورس الجديدة:
مشكلة + السعودية = تبرير.”


بينما يبني العالم… يبني هؤلاء وهمًا

في الرياض، يُشغّلون مفاعل نووي للسلم. في جدة، يُطلقون صواريخ فضاء. في نيوم، يبنون مدنًا بلا سيارات ولا شوارع… فقط أفكار.

أما في “مكاتب الكذب”؟ فهم يبنون “نظريات مؤامرة” بلا أدلة… فقط حقد. يخطّطون لـ “حروب تويتر” بلا جيوش… فقط أصابع. يُعلنون “انتصارات رقمية” بلا أرض… فقط إهانات.

تخيل لو أن طاقة هذا الحقد — هذا الجهد — هذا الإبداع في التأليف — وُجّه لزراعة قمح، أو تشغيل مصنع، أو حتى لتعليم طفل القراءة! لكن لا… فالمجد لا يُقاس بامتلاء البطون، بل بامتلاء التيملاين بالشتائم. ولا يُقاس بشفاء المرضى، بل بعدد “اللايكات” التي تحصل عليها تهمة وهمية.


فلسفة العدم… بلمسة عربية

هنا تكمن المأساة — أو الكوميديا، حسب زاوية النظر:

هؤلاء لا يكذبون لأنهم يؤمنون بكذبتهم… بل لأنهم لا يطيقون مواجهة حقيقتهم.

السعودية — في وعيهم — ليست دولة… بل مرآة. كلما نظروا إليها، رأوا ما فشلوا فيه. فبدل أن يصلحوا المرآة… كسروها، ثم اتهموا من صنعها!

إنها آلية دفاع كونية:

“طالما أنا مشغول بإلقاء اللوم… فأنا لست مسؤولًا عن الإصلاح.”

والأدهى؟ أنهم يفعلون ذلك بحماس الثوار، وبجدية العلماء، وبزهد الرهبان… وكأنهم يؤدون فريضة دينية!

“صلاتك؟ ناقصة.

صيامك؟ مكسور.

لكن شتيمتك للسعودية؟ كاملة، متقبلة، ومُضاعفة الأجر!”


ماذا لو… توقفوا للحظة؟

ماذا لو خصصوا ١٠٪ من وقتهم — فقط — لسؤال بسيط:

“ماذا يمكنني أن أفعل لبلدي اليوم؟”

ماذا لو استبدلوا حسابًا وهميًا واحدًا… بحساب توفير لطفل يتيم؟ ماذا لو استبدلوا شائعة… بمبادرة؟ ماذا لو استبدلوا “ريتويت”… بزرع شجرة؟

لكن لا. فالمهمة الأقدس — كما يرون — هي أن يظل “الآخر” شيطانًا… حتى لا يضطروا لمواجهة شياطينهم هم.


الخاتمة: سخرية… تنتهي بصمت قاتل

“قيل لي إن أحد موظفي ‘مكتب الكذب’ في صنعاء قدّم استقالته لأنه ‘تعب من كره السعودية’.

فسألته: ‘ألا تتعب من كره نفسك؟’

فسكت… ثم بكى.

ليس لأنه ندم…

بل لأنه لم يعد يعرف من هو… بدون عدو.”


الحقيقة، يا صديقي، لا تحتاج إلى مكاتب…

بل تحتاج إلى شجاعة.

أما الكذب… فهو وظيفة مريحة…

لكنها — في النهاية — لا تبني شيئًا…

سوى قبور للعقول…

تُدفن فيها الأوطان…

وهي لا تزال حية.


وإذا ضحكتَ الآن… فانتظر قليلًا.

فالضحك هنا ليس نهاية القصة…

بل بداية السؤال:

“متى نتوقف عن بيع أوطاننا… لنشتري كراهية لا تُطعم خبزًا؟”


✍️ هذا المقال كتبه — في لحظة صدق نادرة — فيلسوفٌ اكتشف أن أصعب وظيفة في العالم… ليست أن تعرف الحقيقة…
بل أن تعترف بها…
ثم تبني عليها…
بدلاً من أن تبني عليها شتيمة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي