مقامون ولكن !!

المقاومة بالفانيلة والبوست: أو كيف نُحارب الإمبريالية ونحن نجلس على كرسي البلاستيك

بقلم: المتفائل (لو كان يملك حساب فيسبوك)

لو كان المتنبي يعيش اليوم، لما كتب قصائد هجاء، بل كان سيُنشئ صفحة فيسبوك باسم "النفاق القومي للقرن الحادي والعشرين"، وسُيغرق بالطلبات من "ثوار" يرتدون الجنبية ويحملون هاتف آيفون، ويدّعون المقاومة، لكن أقصى ما قدّموه للقضية هو منشور مُشارَك ١٧ مرة، مع تعليق: "الله يهزم اليهود، وياخي شكلك جزائري!"

في زمننا هذا، صار "النضال" لا يحتاج إلى بندقية، ولا إلى سجن، ولا إلى تضحيات. كل ما تحتاجه هو:

- فانيلة عليها صورة شهيد لم تعرفه،
- خلفية حساب بالعلم الفلسطيني،
- وعبارة: "نحن المقاومون!" مكتوبة بخط عربي مائل، كأنك تُعلن الحرب، بينما أنت جالس في صالة بيتك، تأكل كبة نية وتُشاهد "مسلسل تركي" عن حرب 1453.

يا سادة، لقد وصل بنا الأمر إلى أن "المقاومة" صارت علامة تجارية. تُلبس في المناسبات، وتُستخدم في التغريدات، وتُرفع كراية في وجه من يختلف معك، لا لأنك تُريد تحرير فلسطين، بل لأنك تريد تصفية حساباتك مع جارك السعودي، أو مع الجار المغربي، أو مع ذلك العمّال الذي يُحب أمريكا لأنه يُحبّ السفر!

نرى يمنيًا يقف على سطح بيت مهدّد بالانهيار، يرتدي فوطة كأنها درع داود، ويصرخ: "نحن نُقاوم! ننصر غزة!" لكن إذا سألته: "ماذا أرسلت لغزة؟" يجيب: "دعائي!" وإذا قلت: "هل عندك مال؟" يقول: "لا!" "هل عندك سلاح؟" "لا!" "هل عندك طعام؟ دواء؟ دعم؟ مأوى؟" "كل هذا عند إيران!" فقلت: "إذًا أنت ماشي خلفهم، لا تُقاوم، بل تُستخدم."

نفس الشيء نراه عند جزائري يُطلق التهم من وراء شاشة، يُسمّي من يُساعد غزة بالخونة، فقط لأنهم يتعاملون مع أمريكا — وهو نفسه يشتري من أمريكا: هاتفه، لابتوبه، وربما حبوب منع الحمل لابنته!

يا للهول! لو كان هذا تناقضًا بشريًا، لاحتاج إلى شهادة طبية!

لكن الأدهى من ذلك كله، هو أن كل هؤلاء "المناضلين" من على السطوح وخلف الشاشات، لا يدركون أنهم بيادق في لعبة أكبر منهم.

إيران، يا سادة، ليست دولة تُحب فلسطين. إيران تُحب إيران. وتدعم "المقاومة" فقط عندما تكون هذه المقاومة أداة في يدها، تُستخدم لثلاثة أشياء:

  1. رفع العقوبات عن طهران، عبر التفاوض: "إما ترفعون العقوبات، أو نُشعل المنطقة!"
  2. تلميع صورتها أمام الشارع العربي: "انظروا! نحن نُناصر فلسطين!" — بينما في الواقع، تُرسل صواريخ مُهترئة، لا تُصيب إسرائيل، لكنها تُعطي ذريعة للغرب كي يقول: "أنتم تدعمون الإرهاب!"
  3. الاستعمار الفكري للشعوب: إذ تُدخل معتقداتها، وتُروّج لولاءات طائفية، وتُزرع بذور الفتنة، ليس لتحرير فلسطين، بل لتمكين النفوذ.

إيران لا تُريد تحرير غزة. إيران تُريد أن تُبقي غزة مُحاصَرة، متألمة، مسلّحة بقليل، مُعطّلة تمامًا — لأن المُحاصَر يُصبح تابعًا. والمُتعطش للدعم، يُصبح عبدًا لمن يُعطيه رصاصة أو كيس أرز.

والمأساة الأكبر؟ أن هؤلاء "الثوار" لا يرون أنهم جزء من المسرحية. كل تغريدة، كل فيديو، كل صورة "بطولية" من على سطح بيت، تُستخدم في فيديوهات إيرانية، تُعرض في طهران أمام المسؤولين: "انظروا! الشباب في اليمن والعراق والبحرين يُناضلون من أجل المذهب!" بينما هؤلاء الشباب لا يعلمون أنهم ممثلون في مسرحية لا يُتقاضون أجرًا فيها، ولا حتى تذكرة دخول.

وكلما زاد الدمار في اليمن، زادت صور "الثوار" على السطوح، وزادت التصفيقات في طهران. وكلما زاد الجوع في غزة، زادت التغريدات من الجزائر وتونس: "السعودية خانة!" بينما السعودية تُرسل شحنات طبية، وتمول مشاريع، وتفتح حسابات تبرعات، لكن لا، لا يمكن أن يُشكر السعودي، لأنه "يتعامل مع أمريكا"! بينما أنت، يا "المناضل"، تتعامل مع فيسبوك، وهو مملوك لأمريكا، وتشتري من أمازون، وهو أمريكي، وتحلم بالهجرة إلى أوروبا!

يا صديقي، المقاومة الحقيقية ليست في الشتم. ليست في تغريدة، ولا في فيديو "تحفيزي" مع موسيقى دراماتيكية.

المقاومة الحقيقية هي: أن تُبني مدرسة، أن تُطور صناعة، أن تُنتِج شيئًا، أن تُطعم جائعًا، أن تُعالج مريضًا، أن تُحرر عقل شعبك من التبعية، لا أن تُستعبده بولاءات طائفية!

غزة لا تحتاج إلى "مناضلين" يُخوّنون الدول العربية من على شاشات صغيرة. غزة تحتاج إلى دعم حقيقي، إلى وحدة، إلى توقف الفتنة، إلى أن نُوقف هذا التمثيل البائس الذي يُستخدم فيه الدم الفلسطيني كورقة مساومة، والمعاناة كوسيلة للنيل من الخصوم!

في النهاية، أقول:
إذا كنت تُحب فلسطين، فابدأ ببلادك. أصلح ما في يدك، قبل أن تشتم من في يده شيء أكثر. لا تكن أداة في يد قوة تُريد أن تُقسّم الأمة، باسم الوحدة. ولا تكن بيضة في سلة إيرانية، تُقدّمها طهران للغرب كي يقول: "حسناً، خذوا العقوبات، لكن أوقفوا الهجمات!"

وإذا كان المتفائل حيًا، لربما كتب:
"رأيت أمة تُقاتل العدو بسلاح الإنترنت، وتُهزم من الداخل بسُخريّة التاريخ."

أما أنا، فأغلق الشاشة، وأخرج إلى الحديقة، أسقي شجرة زيتون، لا لأنها "رمز مقاومة"، بل لأنها تُثمر. وتُعطي. وليس لأنها تُستخدم في فيديو "تحفيزي" مع موسيقى حماسية.

نهاية العرض.
الستار يُسدل على البيادق.
والضوء يبقى على من يبني، لا على من يحرق.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي