مقال: وهم نداء المقاطعة

نداء المقاطعة: بين الضمير الفردي ومنطق السوق

في خضم حراك المقاطعة الذي يجتاح عالمنا العربي، تبرز مشاهد قد تدعو للتأمل، وأخرى تدفعنا لطرح تساؤلات جدية حول مدى عمق التزامنا وواقعية خطواتنا. هل نُقاطع حقًا، أم نُمارس طقوسًا رمزية لنُريح الضمير؟

يا سادة، يا كرام!

شهدتُ ثورة "المقاطعة" الكبرى تُطل برأسها، وراقبتُ أبطالها وهم يخوضون معاركهم الشريفة بقلوبٍ مؤمنة. وما لفت انتباهي مشهدٌ لا يخلو من سخريةٍ سوداء، أعادت إلى ذهني حكايات "هاكلبيري فين" الطريفة.

ها هو الفتى المتحمس يقف في ساحة السوق كجنديٍ مقدام، يرمي زجاجة "بيبسي" بعيدًا وكأنها قذيفةٌ صهيونية، ثم يتناول هاتفه الذكي – نعم، ذاك الذي أبدعته "جوجل" وأخواتها اللواتي يغذين جيوب إسرائيل بالذهب اللامع كبريق دموع أهلنا في فلسطين – ليبث للعالم رسالته المدويّة: "قاطعوا بيبسي!" ألا يدعو هذا للعجب؟ كأنما الإثم كله يكمن في فقاعات المشروب الغازي، والبراءة المطلقة تسكن الخوارزميات الرقمية!

وها هو السيد الفاضل، يشجب "ستاربكس" بلسانٍ لاهب، ثم يستقل سيارته "تيسلا" الأنيقة التي تسهم ضرائبها في تمويل صواريخ قد تحلّق يوماً فوق سماء غزة! وكأنه يهمس لنفسه: "المقاطعة واجبة... لكن على جاري فقط! أما أنا فترفُعي يبرر لي الاستثناء!"

تلك السيدة الفطنة، تمزق علبة "ماكدونالدز" بعنفٍ شديد، ثم تطلب عشاءها الفاخر عبر تطبيق "أوبر إيتس" الذي يدفع جزءاً من أرباح كل طلب لخزائن ترى فلسطين مجرد نقطةٍ باهتة على الخريطة! ألا تثير هذه العقلية التساؤل؟ كأنما البطاطس المقلية هي وحدها رمز الخيانة، أما بطاطس التوصيل السريع... فبريئةٌ كالحمل الوديع!

أما ذروة المشهد الكوميدي، فتتمثل في ذاك البطل الذي يقاطع "نستله" حتى آخر رمق، ثم يلتهم "تشيز كيك" شهياً من مطعمٍ يستورد أجبانه من شركة "كوكا كولا"! (نعم، فشركة "كوكا كولا" تملك حصصاً ضخمة في صناعة الألبان العالمية!) وكأن القدر قد منحنا ترخيصاً بمقاطعة الشر الأصغر، بينما نعانق الشر الأكبر بكلتا ذراعينا!

لا ألومكم يا أصدقائي الأعزاء، فالمقاطعة الشاملة التي لا تُبقي ولا تذر أشبه بمحاولة عزل المرء نفسه عن الهواء الذي يتنفسه! ولكن، إن كنتم جادين حقاً في ثورتكم النبيلة، فليكن لكم من شجاعة "سقراط" نصيب في اتباع المنطق السليم:

  • **إما** أن تقاطعوا **كل** من يدعم الاحتلال الإسرائيلي، حتى لو اضطررتم للعيش في كهفٍ قصي، تتنقلون بين الخرائط الورقية القديمة، وتكتفون بشاي الأعشاب البري!
  • **أو** تعترفوا بكل صراحة أن "المقاطعة الانتقائية" ليست سوى "مسرحية ضمير" محبوكة، نؤديها لأنفسنا لننام ليلاً ونحن نردد: "لقد أديتُ واجبي!"

فإن كنتم تختارون الخيار الثاني – وهو ما يبدو واضحاً وجلياً للعيان – فلمَ لا نُدخل البهجة على قلوبنا ونخفف من وطأة هذا التناقض؟ قاطعوا "بيبسي" بيدٍ حازمة، واشربوا "كوكا كولا" باليد الأخرى! أحرقوا علبة "برينجلز" تعبيراً عن غضبكم، واشتروا "آيفون" جديداً للاستمتاع بالرفاهية! اصرخوا بمقاطعة "ديزني"، واحجزوا تذاكر سينما "فوكس" لتشاهدوا أحدث الأفلام! فهذا التناقض الساخر هو أرقى أنواع الكوميديا السوداء التي رأيتها منذ أن حاول السياسيون حل مشاكل العالم بخطاباتٍ جوفاء!

خلاصة القول:

لا تستهينوا بذكاء الناس وفطنتهم، فالمقاطعة **المنافقة** كمن يرفض ملح البحر بحجة أنه أغرق سفينة تيتانيك... بينما هو يسبح غائصاً في عمق المحيط! وإن كان لكم أن تقاطعوا شيئاً واحداً بحق وبضميرٍ حي... فليكن **الجهل المنظّم** الذي يغلف عقولنا، و**الازدواجية المضحكة** التي نعيشها، فهما العدوان الحقيقيان لقضيتنا، قبل أن تكون "بيبسي" أو غيرها!

وإن سألتم: "فما هو الحل إذاً؟"

أجيبكم بصراحة:
الحل أن تكونوا صادقين مع أنفسكم. إما أن تركبوا موجة الثورة بالكامل وتواجهوا تبعاتها، أو تعترفوا أنكم تبللون أقدامكم فقط على شاطئ المقاطعة، ثم تلوحون للناس بأيديكم وكأنكم تغرقون في بحر التضحيات!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي