لماذا يلوم البعض السعودية؟

لماذا يلوم البعض السعودية؟ 


في فضيلة العثور على شمّاعة مريحة: ملاحظات حول جغرافيا اللوم الجديدة

لقد قيل لي إن العالم أصبح مكانًا معقدًا، مكانًا يتطلب من المرء أن يجهد عقله ويرهق فكره ليفهم خيوط الأحداث المتشابكة. يا لها من مشقة! فالتفكير، في رأيي، هو عمل شاق لا يقل عن جر محراث في حقل صخري تحت شمس الظهيرة. ولذلك، لا يسعني إلا أن أرفع قبعتي احترامًا وتقديرًا لأولئك العباقرة الذين اكتشفوا مؤخرًا حقيقةً بسيطة ومريحة، حقيقةً تعفي الإنسان من كل هذا العناء: كل ما يحدث في العالم، من شروق الشمس إلى تعثر نملة، سببه المملكة العربية السعودية.

يا له من اكتشاف جليل! إنه أعظم اختراع للبشرية منذ اختراع الكرسي الهزاز. فبدلًا من أن يغوص المرء في كتب التاريخ المتربة، ويحلل موازين القوى الدولية المعقدة، ويفكك شيفرات الأيديولوجيات المتصارعة، ويقرأ عن الانقسامات الداخلية التي تعصف بالمجتمعات منذ قرون، أصبح بإمكانه الآن أن يستلقي مرتاحًا، ويرشف قهوته، ويقول بثقة تامة: "إنها السعودية". وبهذه الكلمات الثلاث، تتحول فوضى العالم إلى سيمفونية منظمة، ويصبح كل لغزٍ محيّر واضحًا وضوح الشمس.

عن راحة البال النفسية وكسل العقل

إن النفس البشرية، يا سادة، تبحث عن الطمأنينة كما تبحث النبتة عن الضوء. وما الذي يمنح طمأنينة أكبر من وجود عدو واحد، واضح الملامح، يمكن تحميله وزر كل مصائبنا؟ إنها وصفة سحرية للراحة النفسية. فبدلًا من مواجهة حقيقة أن الصراعات قد تنبع من قرارات كارثية اتخذها أطراف مباشرون، أو من تدخلات قوى إقليمية ودولية متعددة، أو من تراكمات تاريخية من الظلم والكراهية، من الأسهل والأكثر إراحةً للضمير أن نشير بأصبعنا نحو صحراء بعيدة ونقول: "الفاعل هناك!".

هذا الأمر يحرر المرء من عبء المسؤولية. فهو لم يعد مضطرًا لمساءلة قادته أو مراجعه الفكرية، أو حتى مساءلة نفسه. فإذا كانت هناك قوة خفية جبارة تدير كل شيء من خلف الستار، فما جدوى الفعل أو التفكير؟ يصبح المرء ضحية نبيلة في مسرحية كبرى، وهذا دور مريح للغاية، يمنحه شعورًا بالتفوق الأخلاقي دون الحاجة إلى بذل أي جهد حقيقي. إنها قمة الكفاءة الفكرية: تحقيق أقصى درجات الرضا عن الذات بأقل قدر من المجهود العقلي.

في أندية الفكر المغلقة وجوقات الترديد

لاحظتُ في أسفاري أن البشر يحبون التجمع في أندية صغيرة، أو "تكتلات" كما يسمونها بلغة متعلمة. في هذه الأندية، يجلس الأعضاء ويتبادلون نفس الفكرة مرارًا وتكرارًا حتى تصبح حقيقة لا تقبل الجدل، مثل حقيقة أن الماء يبلل. وإذا تجرأ غريب ودخل ناديهم وقال إن الماء قد يكون جافًا في ظروف معينة، فإنهم ينظرون إليه باشمئزاز ثم يطردونه بتهمة الهرطقة الفكرية.

وهكذا هو الحال مع "نظرية السعودية الكبرى". لقد تشكلت تكتلات فكرية ودينية كاملة حول هذه الفكرة المركزية. يجتمعون في مجالسهم، وعلى منابرهم، وفي صفحاتهم الرقمية، لا ليناقشوا أو يحللوا، بل ليرددوا. كل حدث جديد، مهما كان بعيدًا أو غير ذي صلة، يتم ليّ عنقه وتطويعه ليتناسب مع القالب الجاهز. هل ارتفع سعر الخبز؟ إنها مؤامرة سعودية لإلهاء الأمة. هل هطل المطر بغزارة؟ لا بد أنهم يستخدمون تقنية سرية للتأثير على الطقس. إنها جوقة منظمة، وكل عضو فيها يعرف لحنه جيدًا، وأي نشاز يعتبر خيانة عظمى للقضية.

هذه التكتلات لا تبيع فكرة، بل تبيع هوية. أنت تنتمي إلينا طالما أنك تردد ما نقول. واللوم الجماعي على عدو خارجي هو أقوى غراء يمكن أن يربط أي جماعة. إنه يخلق شعورًا بالـ "نحن" في مواجهة "هم"، وهو شعور دافئ ومُسكر، خاصة لأولئك الذين يشعرون بالضياع في عالم فوضوي.

عبقرية توظيف الدين والثقافة

والأمر الأكثر إثارة للإعجاب في هذه الظاهرة هو القدرة الفائقة على تطويع التراث الديني والثقافي لخدمة هذا الهدف النبيل. فجأة، تصبح نصوص عمرها قرون، كانت تُقرأ في سياقات روحانية وأخلاقية، مجرد أدلة إثبات في محاكمة سياسية. يتم استدعاء التاريخ بشكل انتقائي، وتُجتزأ الروايات، ويُعاد تفسير كل شيء ليتناسب مع نظرية المؤامرة الحالية.

يصبح الخلاف السياسي صراعًا بين "محور الخير" و"محور الشر". ويتم إلباس الأجندات السياسية الضيقة ثوب القداسة، ومن يعارضها لا يعارض سياسة، بل يعارض مشيئة السماء ذاتها. يا لها من عبقرية! أن تحول خصمك السياسي إلى عدو لله، فهذا يمنحك رخصة مطلقة ليس فقط لكراهيته، بل لإلغاء إنسانيته تمامًا.


الخلاصة

في الختام، لا يسعني إلا أن أهنئ مبتكري هذه النظرية الشاملة. لقد قدموا خدمة جليلة للإنسانية، فأنقذوها من عبء التفكير النقدي المرهق. لقد حولوا عالم السياسة المعقد إلى حكاية أطفال بسيطة فيها بطل وشرير. وفي عالم يعج بالأسئلة الصعبة، قدموا لنا إجابة واحدة سهلة ومُرضية. قد تكون هذه الإجابة خاطئة تمامًا، ولكن ما أهمية ذلك ما دامت مريحة؟ ففي نهاية المطاف، يبدو أن الكثيرين يفضلون كذبة مريحة على حقيقة مزعجة، خاصة إذا كانت تلك الحقيقة تتطلب منهم النظر في المرآة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي