هل سقوط ايران سيجعل الكيان أقوى؟

الرد التفصيلي على شبهة: "سقوط إيران سيمكّن إسرائيل من السيطرة على القدس وبناء الهيكل"

تُعدّ قضية فلسطين والمسجد الأقصى من القضايا المحورية في وعي الأمة الإسلامية، وكثيرًا ما تُستغل هذه القضية لتمرير أجندات سياسية معينة. من بين هذه الأجندات، تبرز شبهة مفادها أن سقوط النظام الإيراني سيؤدي حتمًا إلى سيطرة إسرائيلية كاملة على المنطقة وبناء الهيكل المزعوم، وهو ادعاء يُروّج له بعض أنصار النظام الإيراني بهدف تبرير وجوده وتمدده. في هذا المقال، سنفند هذه الشبهة من جوانبها العقلية والمنطقية، العقائدية والدينية، السياسية والجيوسياسية، وكذلك التاريخية، لنكشف زيف هذا الادعاء ونعيد البوصلة إلى اتجاهها الصحيح.

أولاً: الرد العقلي والمنطقي

1. هل كانت إيران حقاً عقبة أمام إسرائيل؟ منذ أكثر من 40 عاماً، يرفع النظام الإيراني شعارات "الموت لإسرائيل"، لكنه لم يطلق رصاصة واحدة تجاه الكيان الصهيوني بشكل مباشر. فهل يعقل أن كياناً يزعم "تحرير القدس" لم يشتبك عسكريًا مع الاحتلال طوال هذه العقود؟ هل يُصدّق عاقل أن من يمنع إسرائيل من التوسع هو فقط "الضجيج الإعلامي" الإيراني؟!

2. هل سقوط نظام إيران يعني غياب المقاومة؟ المقاومة لم تكن يوماً حكراً على إيران. على العكس، المقاومة الحقيقية خرجت من فلسطين، ومن شعوب عربية وإسلامية حرّة، لا من نظام طائفي قائم على توسيع نفوذه عبر الفتن والحروب بالوكالة. بل إن إيران ساهمت بتمزيق المنطقة وتدمير جيوشها، ما أضعف القوة العربية الجامعة التي كانت وحدها قادرة على تشكيل جبهة حقيقية ضد المشروع الصهيوني.

3. كيف يمكن لنظام يحاصر شعبه ويقتل المسلمين في سوريا واليمن والعراق أن يُحرر القدس؟ منطقياً، من يُمزق الأمة ويدمّر المدن ويثير الطائفية ويخدم مشاريع التقسيم، لا يمكن أن يكون "رادعاً" لإسرائيل. بل هو أكبر خدمة تقدم للكيان الصهيوني دون أن يضطر لبذل جهد.

ثانياً: من الناحية العقائدية والدينية

1. الدين لا يُجزأ لخدمة مشروع طائفي: النظام الإيراني يستخدم شعار "تحرير القدس" كأداة دعاية سياسية، لكنه في الواقع يتبع نهجًا طائفيًا يُكفّر من لا يتبع معتقده، ويجعل ولاءه المذهبي مقدمًا على وحدة الأمة. فهل يُنتظر من نظام عقيدته قائمة على الولاء لولاية الفقيه لا لرسالة الإسلام الجامعة، أن يكون حاميًا للمسجد الأقصى؟

2. القرآن والسنة يشيران إلى أن النصر يأتي من التوحيد لا من التفرقة:

قال تعالى: "واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا" – آل عمران: 103.
كيف ننتظر النصر من نظام أسّس وجوده على تمزيق الأمة طائفيًا، ومارس القتل والتنكيل بالشعوب السنية؟

ثالثاً: من الناحية السياسية والجيوسياسية

1. إسرائيل لم تستفد من أحد كما استفادت من إيران:

  • الغزو الأمريكي للعراق تم بتعاون إيراني مباشر.
  • سوريا تحولت إلى ساحة قتل وتشريد بمساعدة الحرس الثوري الإيراني.
  • حزب الله، بدلاً من مواجهة إسرائيل، استُخدم في الداخل اللبناني والسوري لقمع الشعوب.
  • اليمن انهار تحت سطوة الحوثيين المدعومين من إيران.
إيران عملياً أسقطت أربع دول عربية كانت يمكن أن تكون دعامة لأي مشروع مقاومة حقيقي.

2. من الذي كبح جماح الثورات الشعبية التي كانت تهدد إسرائيل؟ إيران والنظام السوري ساهموا في سحق الثورة السورية التي هددت أمن إسرائيل من الجنوب. الثورة الشعبية في سوريا – لو نجحت – كانت ستكون مصدر خطر حقيقي على أمن الاحتلال، ولهذا دعمت طهران بكل قواها بقاء نظام الأسد.

رابعاً: من الناحية التاريخية

1. ما قبل إيران الخميني، كانت فلسطين قضية جامعة: في الستينات والسبعينات، كان الدعم للقضية الفلسطينية واسعاً عربياً وإسلامياً، من غير تدخلات طائفية. بعد الثورة الإيرانية، تحولت القضية إلى أداة لتصدير مشروع مذهبي، وأصبح الشك يحيط بكل حلفاء إيران، حتى لو كانوا يحملون اسم "المقاومة".

2. لم تمنع إيران إسرائيل من بناء أي شيء في القدس: الاعتداءات على المسجد الأقصى، الاقتحامات، الحفريات، تهويد القدس، جدار الفصل العنصري... كلها تمت في ظل وجود النظام الإيراني و"ممانعته"، دون أن تتوقف أو تُردع فعليًا.

خامساً: النتيجة الحتمية والمنطقية

سقوط إيران لا يعني تقوية إسرائيل، بل العكس تمامًا. زوال النظام الإيراني يعني زوال أداة التفريق والتخريب في الأمة، مما يفتح الباب أمام وحدة الشعوب الإسلامية، وعودة قضية فلسطين إلى صدارتها الحقيقية، لا كأداة دعائية.

إنّ أخطر ما يواجه المشروع الصهيوني ليس نظام طائفي يتاجر بالمقاومة، بل هو وعي الشعوب الإسلامية، ووحدتها، وعودتها إلى منهجها الصحيح، دون انحرافات مذهبية ولا شعارات جوفاء.

خلاصة: ادعاء أن "إيران هي من يردع إسرائيل" كذبة كبرى تسقط أمام العقل والمنطق والتاريخ والواقع. بل إن وجود هذا النظام كان – وما زال – أحد أهم أسباب انشغال الأمة عن مواجهة إسرائيل، بسبب الحروب التي فتحها في كل اتجاه إلا في فلسطين. إذا سقطت إيران، فستعود البوصلة إلى مكانها الصحيح، وستتحرر القضية من المتاجرين بها، ويعود للقدس رجالها الحقيقيون، لا المتكسبون من آلام الأمة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي