هل نقل مقام ابراهيم بطلب من الشعراوي؟!
الرد على زعم أن الشيخ الشعراوي هو من اقترح نقل مقام إبراهيم
انتشر بين بعض الناس، وخاصة في الإعلام المصري، زعمٌ مفاده أن الشيخ محمد متولي الشعراوي – رحمه الله – هو من اقترح على السلطات السعودية نقل مقام إبراهيم عليه السلام من موضعه الأصلي أمام الكعبة إلى مكانه الحالي، وأن هذا الاقتراح تم قبوله وتنفيذه، بل إن البعض يذهب إلى أبعد من ذلك فيصوره وكأن السعوديين كانوا عاجزين عن التفكير في مثل هذا الأمر لولا "عبقرية" الشعراوي، في تقليل ضمني أو صريح من مكانة العلماء السعوديين. وهذه دعوى غير دقيقة تاريخيًا وعلميًا، ويمكن الرد عليها بما يلي:
أولًا: الحقيقة التاريخية لموضوع نقل المقام
-
لم يُنقل مقام إبراهيم من موضعه إطلاقًا
المقام لم يُنقل من مكانه منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وإنما ما تغير على مر العصور هو البناء المحيط به فقط، من قبة أو صندوق أو حاجز زجاجي لحمايته. أما المقام نفسه – أي الحجر الذي عليه أثر قدمي إبراهيم عليه السلام – فهو باقٍ في موضعه الذي وُضع فيه منذ عهد النبي ﷺ ثم عمر رضي الله عنه.
-
ما جرى في عهد الملك فيصل رحمه الله (1395هـ/1975م)
في السبعينيات الميلادية، ومع توسع أعداد الحجاج والمعتمرين، ازدادت الزحمة حول المقام، ما جعل من الصعب الطواف بشكل مريح. فصدر قرار من الجهات المختصة في المملكة، بمشورة هيئة كبار العلماء، بإزالة القبة الحجرية والزجاجية القديمة التي كانت تحيط بالمقام، واستبدالها بصندوق زجاجي صغير يسمح بالرؤية ويقلل من الازدحام، مع إرجاعه إلى الوراء قليلاً في نطاق لا يخرج عن موضعه الأصلي بحسب قياسات العلماء، مستندين إلى ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أخره قليلاً ليتسع المطاف.
-
لا يوجد أي مصدر رسمي أو تاريخي يوثق اقتراح الشعراوي بهذا الأمر
لم يُذكر في الوثائق الرسمية أو محاضر هيئة كبار العلماء أو تصريحات علماء المملكة أن الشعراوي هو صاحب الاقتراح أو أنه تدخل في القرار. بل إن الشعراوي نفسه – في تسجيلاته – لم يدّعِ ذلك.
ثانيًا: مكانة علماء المملكة ودورهم في القرار
-
المملكة العربية السعودية كانت ولا تزال تضم علماء كبار
من أبرزهم آنذاك:
- الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله
- الشيخ محمد بن صالح العثيمين
- الشيخ عبد الله بن حميد
وغيرهم من أعضاء هيئة كبار العلماء، وهي هيئة رسمية مرجعية عليا.
هؤلاء العلماء مشهود لهم بالعلم والفقه، وقد تربوا على علوم الشريعة، ومنهم من درّس عشرات السنين في الحرمين.
-
القرار صدر بعد مشورة العلماء والمختصين، وليس باجتهاد فردي
نقل أو تعديل أي جزء في الحرم المكي لا يتم بقرار سياسي أو عاطفي، بل يُعرض على العلماء، ويُدرس من جميع الجوانب: الشرعية، المعمارية، والخدمية. وبالتالي، من غير المنطقي أن يتخيل أحد أن دولة قائمة على الشريعة تعتمد على شخص خارج مؤسساتها لاقتراح تعديل جوهري في الحرم.
ثالثًا: تفنيد الادعاء ضمنيًا من الناحية المنطقية
القول بأن الشعراوي هو من أشار بنقل المقام يوحي بعجز علماء المملكة عن التفكير في حلول لخدمة الحجاج. وهذا إساءة غير مقبولة لمكانة هؤلاء العلماء الذين أمضوا حياتهم في خدمة الشريعة وخدمة الحرمين.
ليس من المنطق أن تُبنى قرارات سيادية في الحرم المكي – ذي الحساسية الدينية والرمزية – على اقتراحات عابرة من زائر أو داعية، مهما بلغت مكانته. فكيف إذا كانت المسألة تتعلق بموضع مقام إبراهيم، الذي ورد فيه نص قرآني واضح؟
رابعًا: بيان حقيقة الشعراوي ودوره
الشيخ الشعراوي – رحمه الله – كان داعية محبوبًا، وخطيبًا بليغًا، ومفسرًا بأسلوب مؤثر، لكنه لم يكن فقيهًا مجتهدًا في أحكام الحج والعمرة على غرار كبار العلماء.
لم يُعرف عن الشيخ الشعراوي اهتمامه بالتفصيلات الفقهية للمناسك، أو بدراسته للمخطوطات والآثار المعمارية للمسجد الحرام، بل كان تركيزه دعويًا وتفسيرًا للقرآن للعامة بأسلوب بياني، لا اجتهادي.
خامسًا: سبب انتشار هذه القصة
هذه القصة تُستغل أحيانًا إعلاميًا لإعلاء صورة داعية محلي على حساب علماء بلد آخر، وهو أمر يُخالف الإنصاف ويخدم النزعات القومية لا الدينية.
هناك ميل عام لدى بعض الخطابات الإعلامية العربية – خاصة في مصر – إلى تضخيم الإنجازات الفردية وربطها بشخصيات وطنية، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة.
الخلاصة
- لم ينقل مقام إبراهيم من موضعه الشرعي التاريخي.
- لم يكن الشيخ الشعراوي صاحب الاقتراح أو القرار.
- علماء المملكة هم أصحاب الرأي والمشورة في مثل هذه الأمور، وقد بنوا قراراتهم على نصوص شرعية وسوابق تاريخية.
- الواجب هو الإنصاف، وعدم الترويج لمعلومات مغلوطة تخالف التاريخ والواقع، خاصة إذا كانت تمس رمزية الحرم ومكانة علمائه.
تعليقات
إرسال تعليق