هل مصر تحمي السعودية؟!

المملكة العربية السعودية وموقعها الإقليمي:
تفكيك مزاعم الحماية والتبعية

في عالم تتشابك فيه المصالح وتتعدد الروايات، يبرز أحيانًا خطاب إعلامي يهدف إلى التقليل من شأن بعض الدول أو فرض وصاية عليها. في هذا المقال، نسعى لتسليط الضوء على حقيقة العلاقة بين المملكة العربية السعودية والدول الأخرى، وتفنيد مزاعم تروج لكون المملكة بحاجة إلى حماية خارجية أو أنها تابعة لدول أخرى. 

الرد على هذه المزاعم يتطلب هدوءاً ومنهجية، بعيداً عن ردود الأفعال الانفعالية. دعنا نفصل النقاط ونرد عليها واحدة تلو الأخرى بأسلوب علمي وتاريخي وواقعي:

أولاً: الزعم بأن "المصريون هم من يحمي المملكة العربية السعودية"

هذا الادعاء غير دقيق وغير مدعوم بالوقائع:

  • منذ تأسيس المملكة (1932م) وحتى اليوم، لم تعتمد السعودية على "دولة خارجية" في حمايتها بشكل دائم.
  • في حرب الخليج الثانية (1990-1991)، كانت السعودية قائدة للتحالف العربي، وطلبت دعمًا من عدة دول، منها مصر وسوريا والولايات المتحدة، لتحرير الكويت وليس لحماية نفسها فقط.
  • القوات المسلحة السعودية من أكبر الجيوش في المنطقة من حيث الميزانية والتسليح والقدرات الصاروخية والجوية، وهي معروفة بكفاءتها وقد خاضت معارك عديدة.
✳️ إذن: مشاركة مصر كانت دعماً سياسيًا وعسكريًا لحرب تحرير الكويت ضمن تحالف دولي، وليست "حماية للسعودية" كما يدّعي البعض.

ثانيًا: الزعم بأن "مصر هي مركز وأهمية المنطقة والخليج يتبعها"

هذا يتناقض مع الواقع الجغرافي والسياسي الحالي: السعودية اليوم هي محور التوازن في الخليج والشرق الأوسط سياسيًا واقتصاديًا ودينيًا:

  • هي قبلة المسلمين.
  • وعضو فاعل في مجموعة العشرين (G20).
  • وتمتلك أكبر اقتصاد عربي.
  • وتدير ملف الطاقة العالمي عبر رئاسة أوبك+.

العلاقات بين مصر والسعودية:

  • هي شراكة متبادلة، وليست علاقة تبعية أو قيادة من طرف واحد.
  • السعودية دعمت مصر ماليًا بعد 2013، ومصر وقفت مع السعودية في أزمات سياسية.
✳️ لكن: لم يكن هناك تفوّق دائم أو قيادة طرف لطرف آخر، إنما تنسيق وتبادل مصالح.

ثالثًا: ماذا تقول الوقائع الحديثة؟

  • في عاصفة الحزم (2015) ضد الحوثيين، السعودية قادت التحالف العربي، وشاركت مصر بشكل محدود.
  • في أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، السعودية تؤمن مناطقها عبر قواتها البحرية والجوية بمشاركة بعض الدول عند الحاجة.

رابعًا: الرد الشرعي والأخلاقي

المنّ والتباهي بالمواقف بين الدول لا يليق، سواء من مصر أو غيرها.

🔹 قال الله تعالى:

"يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى" (البقرة: 264)

والدول الإسلامية، ومنها مصر والسعودية، ينبغي أن تتعامل كشركاء في الأمة الإسلامية، لا في مزايدات إعلامية أو وطنية.

خامسًا: من يُهدد ومن يحمي؟

السعودية اليوم تواجه تهديدات مباشرة من إيران وأذرعها (الحوثيين وغيرهم)، وتقود مواجهات سياسية وعسكرية ودبلوماسية بنجاح.

فهل من العدل أن يُقال إن "مصر تحمي السعودية" بينما التهديد في الحد الجنوبي والرد من السعودية نفسها؟!


🔚 الخلاصة الجزئية:

الزعم بأن "مصر تحمي السعودية" هو تبجح إعلامي لا يعكس الواقع العسكري والسياسي. كل من مصر والسعودية دول عربية وإسلامية كبرى، لهما أدوار، لكن لا أحد فوق الآخر. السعودية لا تحتاج لحماية من أحد، كما لم تكن مصر يوماً حامية لها ولا هي وصية على الخليج.

سادسًا: دول شاركت مع المملكة في حروبها ومواقفها ولم تتبجح أو تدّعِ أنها "تحمي شرف السعوديين"

على مر العقود، خاضت المملكة العربية السعودية صراعات ومواقف سياسية وعسكرية عدة، وشاركت معها دول عربية وإسلامية، لكن لم نجد من هذه الدول من يدّعي فضلًا زائفًا أو يتفاخر بأنه "يحمي أعراض السعوديين"، وهذه أمثلة واضحة:

  • 1. باكستان 🇵🇰

    • شاركت باكستان لوجستيًا وأمنيًا في دعم المملكة، خصوصًا في التهديدات الإيرانية، وأرسلت قوات للمساعدة في حماية الحرمين الشريفين منذ الثمانينيات.
    • ورغم ذلك، لم نسمع من باكستاني أو إعلامهم أنهم "يحفظون شرف السعوديين" أو "يحموهم".
  • 2. السودان 🇸🇩

    • شاركت السودان في عاصفة الحزم بإرسال قوات برية للحد الجنوبي لمحاربة الحوثيين.
    • وقدمت تضحيات بالفعل، واستُشهد جنود سودانيون في الجبهات.
    • لكن، لم نرَ من الإعلام السوداني ولا المسؤولين أي تبجح أو منّ على السعودية.
  • 3. الإمارات والبحرين 🇦🇪🇧🇭

    • شاركتا بفعالية كبيرة في عاصفة الحزم وفي الدفاع الجوي ضد الصواريخ الحوثية.
    • قدّمتا دعمًا لوجستيًا واستخباراتيًا، وشاركت قواتهما البرية والجوية.
    • رغم ذلك، تحافظ هذه الدول على أدبيات التحالف ولا تتكلم بمنطق الوصاية أو التفاخر الفارغ.
  • 4. الولايات المتحدة الأمريكية 🇺🇸

    • رغم أنها القوة الكبرى التي أسهمت عسكريًا في تحرير الكويت ودعمت أمن الخليج لعقود، لم تصدر عنها تصريحات سياسية تقول إنها "تحمي أعراض السعوديين"، بل تتعامل ضمن إطار المصالح والتعاون الدفاعي.
✳️ إذن ما الفرق؟
الفرق هو في النية والخطاب: بعض الأفراد أو الإعلاميين في دول معينة (كمصر مثلاً) يستغلون أي مشاركة سياسية أو عسكرية ليحولوا الأمر إلى أداة للتفاخر والتقليل من شأن المملكة وشعبها، وكأنهم يطالبون بمكافأة دائمة أو امتنان لا ينتهي.
أما الدول الحقيقية الحليفة، فهي تشارك من باب الأخوة أو المصالح المشتركة، دون خطاب استعلائي أو تذكير بالجميل.

🧭 الخلاصة النهائية:

الزعم بأن "مصر تحمي السعودية" هو تبجح إعلامي لا يعكس الواقع العسكري والسياسي. كل من مصر والسعودية دول عربية وإسلامية كبرى، لهما أدوار، لكن لا أحد فوق الآخر. السعودية لا تحتاج لحماية من أحد، كما لم تكن مصر يوماً حامية لها ولا هي وصية على الخليج.

من قاتل مع السعودية بشرف، فعل ذلك إما نُصرة للحق، أو تحقيقًا لمصالح متبادلة، وليس تفضلًا على السعوديين أو وصاية عليهم. من يتحدث عن "حماية الأعراض" و"أن لولانا لما بقيتم" هو إما جاهل بالتاريخ والسياسة، أو مُستغل للخطاب الوطني لأغراض إعلامية رخيصة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي