المصري والتطبيع

"المشمش في البطيخ: عن الفارس القومي من ميدان الخليفة"

بقلم: المؤلف اللي عنده صديق كان بيشتغل في الخارجية… بس زمان

في شوارع الفيسبوك، وعواصم الكيبورد، وبالذات في تعليقات منشورات الجزيرة، يظهر المصري الوطني الثائر، الذي لا يعرفك، لكنه يعرف أنك مطبّع، خائن، بعت القضية، و"خليكو في رزكم".

هو وحده حارس النيل، وريث عبد الناصر، عرّاب القومية، مفجر الثورة في العالم العربي... طبعًا من غير ما يتحرك من على الكنبة.

"كلهم خانوا، ما عدا احنا... اللي ابتدينا!"

في كل نقاش عن التطبيع العربي مع الكيان الصهيوني، يصرخ صوت من خلف الشاشة:

"بص على دول الخليج! باعوا القضية!"

ولو قلت له بخجل:

"طب يعني… مصر وقّعت اتفاقية كامب ديفيد في 1979؟"

يرد فورًا:

"إحنا؟ إحنا كنا بنناور! دا كان استراتيچي! دا كان فخ!"

فخ استمر لأكثر من 40 سنة، ورفع فيه العلم الإسرائيلي على سفارة في قلب القاهرة، ولكن المهم النوايا، والمهم إن إحنا "مخنا كبير".

"إحنا اللي علمناهم... الخيانة؟!"

نفس الفارس الذي يلوم السعودية على كل شيء من التطبيع إلى ارتفاع درجات الحرارة، لا يرى تناقضًا في أن بلده تُصدّر الغاز لإسرائيل بسعر أرخص من شاي الكشري.

لكن عنده الرد دائمًا:

"دي حاجات بين الحكومات، إنما الشعب رافض!"

ولا أحد يدري من هو هذا الشعب؟ ومتى رفض؟ ولماذا لا يغير الواقع إذا كان بالفعل رافضًا؟ لكن المهم الشعور، فالشعور وطني.

"خليها على الله يا عم الحج"

في لحظة الجد، حين تحاصره الحقائق، وتبدأ النقاشات تدخل في الجغرافيا والتاريخ والمصالح السياسية، يظهر الفارس الحقيقي بداخله، فيقول بصوت حكيم:

"خليها على الله... كله محسوب... ربك كبير!"

ثم يبتسم بتلك الابتسامة التي تجمع بين الفقر والحنين والخداع الذاتي، ويأخذ رشفة من الشاي، كأنه تشرشل في لحظة نصر وهمي.

"أي مشمش في أي بطيخ"

المنطق؟ مش مهم.
الحقائق؟ تتغيّر حسب المود.
المواقف؟ مرنة كالمعكرونة المسلوقة.

"إحنا بنبعت الغاز لإسرائيل آه، بس بنكرهم!
إحنا عندنا سفارة صهيونية، بس بندّعي عليهم في الفجر!
إحنا طبعنا، بس غيرنا خان!"

هذا هو المواطن القومي العربي بنكهة الحارة: بيفهم في السياسة، بس بيركن عقله في التلاجة عشان ميغليش.

"نهاية في انتظار من يفكر"

الأسوأ من التطبيع هو أن نطبع مع التناقض. أن نعيش في الماضي، ونُحاكم الناس على الحاضر، ونُبرّر أفعالنا بـ"إحنا أحسن" كأنها آية في القرآن.

وحتى إن واجهته بالحقائق كلها، فهو مستعد أن يرد بمنتهى الإقناع:

"مش مهم... إحنا غير!"

غير؟ نعم.
غير لأننا الوحيدون الذين صدّروا التطبيع ثم لبسوا عباءة المقاومة!
غير لأننا بنفهم في كل حاجة من غير ما نعمل أي حاجة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي