بتاع كله – العارف بكل شيء
"بتاع كله: النبي العارف في زمن الجهل المركب"
بقلم: كاتب يكتب وهو يحاول يفتكر إيه كان اسم أرسطو لما كان في الحارة
في زوايا المقاهي، وعلى أرصفة "التحليل السياسي العفوي"، وفي مجموعات الواتساب التي تدّعي أنها أقرب إلى مجلس الأمن منها إلى طلاب محو الأمية، يظهر "بتاع كله".
لا تسأله عن شيء إلا وفتح الله عليه بفيض من العلم، فيسرد لك تاريخ العالم من أيام الديناصورات حتى منصة إكس، مرورًا بمبايعة عبد الحليم حافظ للحاكم بأمره في أغنية "الوطن الأكبر".
"احنا علمناكم" - إعادة تدوير للفخر
إذا كنت من بلد خليجي مثلاً، فاستعد، لأن أول سهم من جعبة "بتاع كله" سيكون:
"احنا اللي علمناكم... احنا اللي بنينا الخليج... ده احنا كنا بنبعتلكم التكية!"
لا تقل له إن دول الخليج اليوم تحتل مراتب متقدمة في الاقتصاد والتعليم والتقنية، لأن الرد جاهز:
"آه بس احنا الأصل! احنا اللي كان عندنا الأزهر قبل ما الكهرباء توصلكم!"
وإذا ما قلت له: "والله حتى الأزهر بقى متأخر عن جامعاتهم!"
يرد بنظرة "شايفك صغير"، ثم يبتسم كأنك طفل يلعب بالطين.
"العلم في الراس مش في الراوتر"
"بتاع كله" لا يحب التفاصيل، فالتفاصيل تحتاج إلى معرفة، والمعرفة تحتاج إلى جهد، وهو يفضل الاختزال:
- السياسة؟ فاهم فيها.
- الاقتصاد؟ حلّل البورصة من زمان.
- الدين؟ دارس فقه مقارن في القهوة.
- الطب؟ كان هيبقى دكتور بس سابها عشان شغل العيلة.
- التكنولوجيا؟ كان هيبرمج تطبيق بس النت فصل.
"التكية كمؤسسة دعم سياسي"
التكية، وفقًا لـ"بتاع كله"، ليست مؤسسة خيرية عثمانية، بل كانت وزارة خارجية مبكرة، ومكتب تنمية بشرية، ومصرفًا مركزيًا للثقافة.
كلما تذكرها، شعر بنشوة التفوق، كأن التكية لم تكن تطعم الفقراء بل كانت تطعم الدول!
"احنا كنا بنبعت لهم تكية... دلوقتي بيبعتولنا إعانات! يا زمن!"
الحقيقة؟ لا هو فاهم إيه التكية، ولا هو قرأ يومًا عن كيف كانت تخدم الحجاج أو المحتاجين، لكنه سمع العبارة على لسان فهلوي أكبر، وقرر أن يتبناها كأنها جزء من هويته الوراثية.
"العارف بالله والاقتصاد والكون كله"
"بتاع كله" يكره التخصص، لأن التخصص يُشعره بالجهل، والجهل عنده مرض يُقاوم بالفخر الجهوري.
تجده يناقشك في علوم الفضاء، ثم ينتقل فورًا إلى سعر الفراخ، ويختم بالقول:
"دي كلها لعبة... احنا مكشوف لنا! دول شغالين علينا من زمان!"
"خاتمة في انتظار العقل"
هكذا يبني "بتاع كله" عالمه:
- • حبة تحليلات من وحي القهوة.
- • رشة فخر تاريخي نصفه وهم.
- • وقالب جهل يزيّنه بعبارات: "إحنا... وإحنا... وإحنا..."
لكن الحقيقة المرة أن "بتاع كله" لا يعرف عن "كله" شيئًا. يعيش في الماضي لأنه خائف من الحاضر، يكرر الأساطير لأنه لا يمتلك قدرة على التأمل، ويتغنى بالتكية لأنه لم يعرف يومًا معنى الاعتماد على النفس.
تعليقات
إرسال تعليق