الزعم أن العرب تخلوا عن حماس - رد موسع

حماس واختيار التحالف مع إيران، هل تخلي العرب عنها؟!

يُروّج البعض لزعم أن "حماس لجأت إلى إيران بعد أن تخلى عنها العرب"، وهي مقولة تفتقر إلى الدقة التاريخية والتحليل الشرعي والسياسي السليم. هذا المقال يقدم ردًا متكاملًا ومحكمًا لتفنيد هذا الادعاء، مستعرضًا الأبعاد المختلفة للعلاقة بين حماس وإيران، وموضحًا بالدلائل والمنطق أن هذا التحالف كان اختيارًا استراتيجيًا وليس اضطرارًا.

أولاً: التأصيل التاريخي – علاقة حماس بإيران: اختيار استراتيجي مبكر

إن علاقة حماس بإيران لم تكن وليدة "التخلي العربي"، بل بدأت وتأصلت منذ التسعينيات، وتطورت بشكل لافت بعد صعود المشروع الإيراني في المنطقة عقب عام 2003. فبعد فوز حماس في انتخابات 2006، سارعت إيران إلى احتضانها، ليس فقط دعمًا للقضية الفلسطينية، بل لتوظيف حماس كورقة إقليمية ضمن مشروعها الطائفي. أرادت إيران "ورقة سنّية مقاومة" تُجمّل بها صورتها وتستخدمها لتحقيق أهدافها في المنطقة.

حتى في أشد الأزمات التي مرت بها حماس مع بعض الأنظمة العربية، لم ينقطع عنها الدعم. فقد كانت تجد الدعم المادي والسياسي من دول مثل **قطر** (دعم مالي وإعلامي)، و**تركيا** (غطاء دبلوماسي)، و**السودان** سابقًا. كما أن **المملكة العربية السعودية ومصر** قدمتا دعمًا في مراحل محددة، رغم تحفظاتهما على سلوك حماس وأجندتها.

ثانياً: من الذي تخلى عن مَن؟ – حماس طعنت العرب قبل مراجعة موقفهم

لم يكن "تخلي العرب" هو السبب في توجه حماس نحو إيران، بل كانت حماس تخفي أجندتها الإخوانية الطائفية خلف شعار "المقاومة". وحين اندلعت الثورات العربية، انكشفت حقيقتها وأولوياتها. لقد **اصطفت حماس بوضوح مع مشروع الإخوان المسلمين** في مصر ضد الدولة، وأدانت إسقاط نظام الإخوان، بل أصبحت منصة إعلامية لمهاجمة القاهرة ودول الخليج. ليس هذا فحسب، بل ثبت تعاونها الأمني مع ميليشيات في سيناء، كما كشفت تحقيقات مصرية متعددة.

فماذا كان على الدول العربية أن تفعل في هذا السياق؟ هل كان مطلوبًا منها أن تواصل تمويل حركة تتآمر عليها وتطعنها من الخلف، بينما تُقبل يد الحرس الثوري الإيراني وتصطف معه؟ هذا سؤال يفرض نفسه على من يطلق هذه الادعاءات.

ثالثاً: البعد الشرعي – تحالف مع نظام باطنه طعن وظاهره سلاح

التحالف مع إيران ليس مجرد مسألة "تمويل مشروع مقاومة" كما يُسوّق له البعض. بل هو تحالف مع نظام ديني طائفي يعلن العداء السافر لأهل السنة، ويجاهر بسب الصحابة الكرام وأمهات المؤمنين. هذا النظام يموّل ميليشيات مسلحة تقتل المسلمين في سوريا والعراق واليمن، ويدعم أذرعًا شيعية تسعى لتفكيك المنطقة على أسس طائفية (مثل حزب الله، الحوثي، والحشد الشعبي).

هل يُعقل شرعًا أو عقلًا أن "نأخذ سلاحًا من العدو لقتال عدو آخر"، بينما هذا "العدو" الذي نأخذ منه هو ذاته من يطعن ظهورنا ويذبح أهلنا ويفتت مجتمعاتنا؟ إن التحالف مع الظالمين محرم في الشريعة الإسلامية، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم:

"ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار" (هود: 113)

رابعًا: البعد الاستراتيجي – حماس ورقة إيرانية لا مشروعًا فلسطينيًا حرًا

إيران لا تدعم حماس لتحرير القدس، بل تستخدمها كورقة سياسية. هي توظفها لتردد شعار "نحن مع فلسطين" بينما تذبح وتدمر في سوريا والعراق واليمن. إن حماس بالنسبة لإيران هي مجرد ورقة ضغط إقليمية ضد العرب والغرب، لا أكثر.

والدليل على ذلك واضح: حين كان أهل غزة يُذبحون ويُحاصرون، كانت إيران تفاوض أمريكا في سلطنة عمان سرًا! وحزب الله، الذي يُعد الحليف الأوّل لإيران في المنطقة، لم يطلق رصاصة واحدة ذات قيمة على إسرائيل حين قصفت غزة بقسوة، لكنه فعل ذلك بكل قوة ووحشية في الداخل السوري واليمني.

خامسًا: التحالف مع إيران يُفقد القضية الفلسطينية مصداقيتها

عندما يرى المسلمون في مختلف أنحاء العالم أن "المدافع عن القدس" هو حليف نظام يذبح المسلمين في سوريا ويهدم المساجد في العراق ويدمر اليمن، فإنهم يفقدون التعاطف مع القضية الفلسطينية تدريجيًا. هذا الانحراف السياسي هو من أخطر ما ارتكبته حماس؛ فقد:

  • اختطفت القضية الفلسطينية من بعدها الإسلامي والعربي السني الأصيل.
  • أدخلتها في سوق "المقاومة الإيرانية" الزائفة، التي لم تُقاتل إلا أهل السنة.

الختام – خلاصة منهجية

إن القول بأن "العرب تخلوا عن حماس" هو مغالطة مقصودة تهدف إلى تبرير خطأ أخلاقي واستراتيجي جسيم.

فالحقائق تقول:

  • **حماس اختارت إيران بإرادتها الكاملة**، وقبل ظهور أي خلافات جوهرية مع الأنظمة العربية.
  • هي من **طعنت الحاضنة العربية** التي احتضنتها وقدمت لها الدعم – ثم عادت لتشتكي من فقدان هذا الدعم.
  • تحالفت حماس مع طهران، ليس لأنها كانت مجبرة، بل لأنها **مؤمنة بالمشروع الإخواني** الذي يتقاطع بشكل كبير مع الطموح الفارسي الطائفي.

نحن مع فلسطين، لا مع من يبيع قضيتها لصالح طهران. نحن مع المقاومة الحقة، لا مع من يُجيّرها للميليشيات والمخططات الأجنبية. نحن مع الحق والوضوح، لا مع التبرير السياسي للانحرافات العقدية والاستراتيجية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي