فهلوه المصريين
"الفهلوة وسياحة الضمير: تأملات في علاقة المصري المتفذلك بالمملكة!"
بقلم: مواطن يكتب تحت تأثير الشاي السادة والتاريخ المنسي
في بلاد النيل، حيث الفجر يولد من كشك سجاير، والمستقبل يُفرد على فاترينة كنافة، نشأ نوع فريد من البشر: "الفهلوي الفذ"، الذي لا يحتاج إلى معرفة كي يتكلم، ولا إلى دليل كي يُحلل، ولا إلى ضمير كي يثور.
هذا الكائن العجيب، ما إن يسمع كلمة "السعودية"، حتى تنتفخ أوداجه الوطنية، وتبدأ بوصلة الفهلوة في الدوران السريع: إحنا اللي بنشيلهم... إحنا اللي عمرنا الخليج... دول كانوا إيه من غيرنا؟
وما إن تسأله:
"طب ما هو عدد العاملين السعوديين اللي اشتغلوا في مصر؟"
يبتسم ابتسامة العارف بالله ويجيب:
"لازم نفكر بمنطق استراتيجي مش رقمي!"
الفهلوة هنا ليست مجرد موقف، بل فِكر. إنها عقيدة تقوم على أن كل مصري في الخارج هو مشروع زعيم قومي، وكل تحويل بنكي هو فتح مبين على أمة الخليج.
"النفط لنا... والسواعد مصرية!"
تبدأ الرواية دائمًا بأن المصري هو الذي بنى الخليج، وكأن الأرض كانت جرداء، لا بشر فيها، حتى نزل عليها المصريون كملائكة إعمار.
لكن عندما تفتح كتب التاريخ، تجد أن المملكة العربية السعودية كانت تصدر البترول وتبني الطرق والمستشفيات قبل أن تنطلق أول رحلة طيران من "مطار إمبابة الدولي إلى الرفاهية".
وإذا حدث وسألت أحدهم عن استثمارات السعودية في مصر، نظر إليك نظرة الشفقة وقال:
"هم مش بيستثمروا، دول بيصرفوا الزكاة علينا."
"من الحب ما ينكر"
العجيب أن نفس الفهلوي، حين يسافر إلى السعودية للعمل، يصبح فجأة أكثر التزامًا من ابن باز، وأكثر انضباطًا من ميت غاندي.
يسير على أنظمة المرور بدقة، يحترم الخصوصية، ويبدأ في إرسال فيديوهات عن أهمية الطاعة والولاء لولي الأمر.
ولكن ما إن يعود إلى القاهرة، يعود التمرد، ويبدأ في تحليل سياسات المملكة كأنه "مستشار الظل في مجلس الأمن".
"تحليل نفسي على سلالم القهوة"
الظاهرة - من وجهة نظر علم النفس الشعبي - تعود إلى مزيج بين شعور بالتفوق الحضاري الذي عاش على ذكريات الفراعنة، وشعور خفي بالغيرة من دولة فتية كالسعودية سبقت كثيرًا في التنمية، والنهضة، والهيبة الدولية.
ولأن الاعتراف بالفجوة صعب على النفس الفهلوية، فإن الدفاع الأسهل هو "التهوين"، و"التقليل"، و"التنظير المجاني".
"خاتمة في انتظار التحويل"
وهكذا تستمر الفهلوة، لا كوسيلة للنقد، بل كستار نفسي يغطي إحباطًا حضاريًا، وعجزًا عن الفعل، وتعلقًا ببطولات اللسان. لكن التاريخ، يا صديقي الفهلوي، لا يُكتب من داخل الكافيه، بل من داخل المصانع، والمختبرات، ومراكز القرار.
فخفّف من تنظيرك، وضع فنجان القهوة، واقرأ في دفاتر نفسك، فلعل السعودية ليست هي من تحتاج النقد، بل زاوية رؤيتك التي تحتاج التصحيح.
تعليقات
إرسال تعليق