هل حماس مشروع مقاومه؟!
حماس: النشأة، الدور، والتقاطعات المشبوهة
يثير الجدل حول حركة حماس الكثير من التساؤلات حول نشأتها، ودورها في القضية الفلسطينية، وطبيعة تحالفاتها. هذا المقال يسعى لتقديم تحليل معمق لهذه الجوانب، مستندًا إلى وقائع تاريخية، سياسية، وأمنية، ليكشف عن تعقيدات لم تُطرح بالقدر الكافي، ويُجيب عن سؤال: هل حماس مشروع مقاومة أم وظيفة سياسية؟
أولاً: الخلفية التاريخية – نشأة حماس ومن المستفيد؟
تأسست حماس رسميًا في ديسمبر 1987، كفرع من جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين. حتى ذلك الوقت، كانت جماعة الإخوان ترفض العمل المسلح وتقدّم نفسها كحركة دعوية اجتماعية. في المقابل، كانت منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة ياسر عرفات تمثل الممثل السياسي الأوحد للفلسطينيين دوليًا، وتتبنى مشروع الدولة على حدود 1967.
الصدمة: من دعم حماس في بداياتها؟
تشير وثائق استخباراتية وتحقيقات صحفية أمريكية وإسرائيلية (مثل صحيفتي "وول ستريت جورنال" و"واشنطن بوست") إلى أن إسرائيل في الثمانينات غضّت الطرف عن نمو حماس، بل وربما دعمتها ضمنيًا. كان الهدف من ذلك واضحًا:
- رأت فيها أداة لإضعاف نفوذ منظمة التحرير.
- استخدمتها كوسيلة لتفتيت النسيج الفلسطيني سياسيًا ودينيًا.
- قدمت تسهيلات لجمعيات تابعة للإخوان داخل غزة، وسمحت بتوسعهم في التعليم والعمل الخيري.
نائب وزير خارجية إسرائيل الأسبق، أفيغدور ليبرمان، صرح بوضوح: "نحن من شجعنا على نمو حماس في بداياتها لكسر احتكار منظمة التحرير."
ثانيًا: العلاقة الجدلية – ضرب مشروع الدولة في كل منعطف حاسم
شهدت مسيرة القضية الفلسطينية تدخلات من حماس أثرت سلبًا على فرص إقامة الدولة:
- اتفاق أوسلو 1993: عقب توقيع الاتفاق، الذي كان يمهد لقيام دولة فلسطينية، شنت حماس موجة من العمليات الانتحارية (1994-1996). هذه العمليات أدت إلى انهيار دعم الرأي العام الإسرائيلي للاتفاق، وصعود اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو، مما نسف أي تقدم لاحق.
- قمة بيروت 2002 (المبادرة العربية): عندما اجتمعت الدول العربية بقيادة السعودية لتقديم مبادرة سلام تقوم على حدود 1967 وعودة اللاجئين، خرج الشيخ أحمد ياسين مؤسس حماس معلنًا رفض المبادرة ومهاجمتها. بعد أيام، شنت حماس موجة عمليات استشهادية أربكت الرأي العام العربي والدولي، وأعادت الملف إلى دائرة الصراع المسلح.
- مفاوضات 2014 و2018 ومؤتمر البحرين: في كل مرة يلوح فيها مشروع تسوية، تُستأنف الهجمات فجأة أو تُفجر الأوضاع الأمنية. يتبع ذلك رد إسرائيلي واسع يدمر بنية غزة ويُجهض أي مشروع تفاوضي، ويُعاد تقديم الفلسطينيين كطرف غير ناضج للسلام.
ثالثًا: ماذا حدث في 7 أكتوبر 2023؟ السياق قبل الحدث
كان السياق الإقليمي قبيل 7 أكتوبر مهمًا جدًا. كانت السعودية قد دخلت مفاوضات جادة مع واشنطن لإنجاح حل الدولتين، مع تأكيد دعمها العلني لقيام دولة فلسطينية على حدود 1967، ورفعت "لاءاتها" من أجل ذلك.
فجأة: أعلنت حماس "عملية طوفان الأقصى"، التي فجّرت الأوضاع بشكل دموي وغير مسبوق.
كانت النتائج:
- حرب طاحنة على غزة دمرت ما تبقى من البنية الإنسانية.
- تعطيل مشروع حل الدولتين سياسيًا على المدى المنظور.
- صعود غير مسبوق لليمين الصهيوني المتطرف.
التساؤل المنطقي: كيف لحركة تدّعي "الحكمة" أن تبدأ حربًا كهذه، بينما تعلم أن الرد سيكون فادحًا، وأن العرب كانوا يحققون اختراقًا لصالح الفلسطينيين في المنابر الدولية؟
رابعًا: هل هناك تواصل فعلي بين حماس وإسرائيل؟
تؤكد المعلومات الموثوقة أن حماس تنسق مع إسرائيل عبر وسطاء (قطر، مصر) بشكل دائم. ترتيبات "التهدئة مقابل الغذاء أو المال" تُدار من خلال وسطاء معروفين، بقبول الطرفين. كما أن كثيرًا من قادة حماس يتمتعون بامتيازات في غزة تحت رقابة إسرائيلية، بينما يقيم قادتهم الآخرون في الدوحة أو بيروت في رفاهية كاملة.
السؤال الأخلاقي هنا: هل هذه "المقاومة" أم إدارة أزمة ضمن مشروع إقليمي أكبر؟
خامسًا: تحليل فلسفي وواقعي – هل حماس مشروع مقاومة أم وظيفة سياسية؟
الفكر الإخواني بطبيعته ثوري لا مؤسسي، ولا يؤمن بالدولة، بل بالحزب الذي "يتحرك باسم الدين" ليمكّن لنفسه لا للأمة. لهذا السبب، لا تتماهى حماس مع فكرة "دولة فلسطينية على حدود 1967"، لأنهم يرونها مشروعًا وطنيًا علمانيًا لا يتماشى مع "دولة الخلافة" التي يحلمون بها.
النتيجة:
- أي مشروع دولة حقيقية يصطدم بحماس.
- الحلول التوافقية تُفشلها دائمًا باسم الجهاد.
- في الحقيقة، هم يُكرّسون واقع الاحتلال، ويُقدّمون لإسرائيل مبررًا دائمًا للهروب من السلام.
سادسًا: البُعد الأمني – ما وراء تجربة السجون الإسرائيلية
واحدة من أكثر النقاط المثيرة للريبة في ملف حماس هي قضية السجون الإسرائيلية، التي دخلها كثير من قادة الحركة، وخرجوا منها ليواصلوا العمل السياسي أو العسكري. والسؤال الكبير هنا:
كيف يمكن لقيادي مقاوم أن يخرج من سجون إسرائيل سليمًا معافى، ويمارس نشاطه بحرية، بينما من هم دونه يُغيبون أو يُقتلون؟
قاعدة استخباراتية مشهورة:
"من يدخل سجون إسرائيل لا يخرج إلا على أحد وجوه ثلاثة: إما عميل مدرب، أو مجنون مدمَّر نفسيًا، أو شهيد مقتول."
حالات واقعية تؤكد الريبة:
- **مصطفى يوسف حسن**، ابن أحد أبرز مؤسسي حماس، كشف لاحقًا في كتابه "ابن حماس" أنه كان عميلاً لجهاز الشاباك الإسرائيلي لأكثر من 10 سنوات.
- شخصيات أخرى خرجت من السجون لقيادة المشهد، والبعض منها تحوم حوله علامات استفهام ضخمة: كيف خرج؟ ما الذي حدث في أقبية التحقيق؟ ما نوع التنازلات؟
التحليل:
- جهاز الشاباك لا يُفرج عن قيادي خطير إلا بعد اختراقه أو ضمان تحييده.
- السجون ليست فقط أدوات ردع، بل مخابر تصنع فيها الشخصيات وتُعاد برمجتها أو تجنيدها.
السؤال البديهي: أليس غريبًا أن تطارد إسرائيل كل من يحمل حجرًا أو يكتب منشورًا، لكنها تسمح لقادة حماس بإدارة مؤسسات ومؤتمرات من غزة أو الخارج؟ لماذا يُقتل الأطفال والنساء في غزة، وتبقى بعض الوجوه القيادية في حماس ثابتة، لا تُمس، ولا تُغتال؟
خلاصة الفكرة المضافة:
إن من يُصفّق للمجاهدين من حماس لمجرد أنهم اعتُقلوا في السجون الصهيونية، دون أن يتأمل في ما جرى داخل تلك الزنازين، يُمارس تبسيطًا خطيرًا للواقع الأمني المعقد.
ليس كل من دخل السجن مقاومًا بقي كذلك، فالسجون لا تخرج الأبطال فقط، بل تصنع الخونة بصمت وتعيد إطلاقهم بمهمة جديدة.
الختام – خلاصة فكرية ناضجة:
من خلال الوثائق والتاريخ والسلوك، تتضح صورة حماس بشكل مختلف عن الرواية السائدة:
- حماس لم تكن يومًا مشروع دولة، بل كانت أداة صراع أيديولوجي إقليمي.
- تقاطعت مصالحها أحيانًا مع العدو الذي تدّعي مقاومته، إما بغباء سياسي أو بتنسيق ضمني.
- كلما اقترب العرب من حل حقيقي، كانت حماس تزرع الألغام في الطريق، ثم تعود لتصرخ: "أين أنتم؟".
نحن نحب فلسطين، لكننا لا نُؤلّه من يخطفها باسم المقاومة. الجهاد لا يُدار بالريموت من طهران أو من الفنادق. والدولة لا تُبنى فوق دماء تُهدر ثم تُسوّق إعلاميًا.
تعليقات
إرسال تعليق