مظاهرات تونس بمعرض الكتاب ضد السعودية


المنطق المريض: قصة معرض الكتب والهجاء السياسي

بقلم مُقلِّد مُتعثر لأسلوب مارك توين


لو كان "المنطق" إنساناً لخرج علينا اليوم من قبره وهو يصرخ: "أيها الحمقى، اتركوني أموت بسلام!"، فقد شهدتُ في معرض الكتاب الأخير مشهداً يصلح لأن يكون فصلاً في كتاب "الكوميديا الإنسانية"، حيث وقف مجموعة من المحتجين أمام الجناح السعودي يهتفون ضد "التطبيع"، وكأن السعودية قد حوَّلت المعرض إلى سوق لبيع الأرانيط الإسرائيلية! بينما كان الجناح التركي، الذي يتبع دولة تتبادل مع إسرائيل السفراء والمساعدات، جالساً في الخلفية يبتسم كالثعلب الذي التهم الدجاجة دون أن يُلاحظه أحد.

لا أعلم إن كان هؤلاء المحتجون قد قرأوا كتاباً واحداً في المعرض، لكنهم بالتأكيد قرأوا نصف شعار من على "تويتر" وقرروا أن يصنعوا منه مظاهرة. تقول الحكمة القديمة: "إذا أردت أن تُخفي حقيقة، اجعلها وراء شعارٍ مُلتهب"، وهنا تكمن الروعة. فالسعودية، التي لم تفتح سفارة في إسرائيل، ولا ترسل لها إلا بيانات استنكارٍ تُقرأ ثم تُرمى في سلة التاريخ، تُتهم بالتطبيع. بينما تركيا، التي تتعامل مع إسرائيل بِوِفاقٍ يُشبه علاقة التاجر مع زبونه المُفضّل (مساعدات غذائية هنا، صفقات أسلحة هناك، وتبادل دبلوماسي في كل مكان)، لا تجد من يهتف ضدها إلا صمتاً!


لنكن واضحين كشمس الظهيرة: إذا كان "التطبيع" جريمة، فالأتراك هم "عصابات آل كابوني" السياسية، لكن أحداً لا يجرؤ على توجيه إصبع الاتهام. والسؤال الذي يُطرَح هنا: لماذا يُلام المُتَّهم البريء، ويُبارك المُذنب الصريح؟ الجواب بسيطٌ كحساب الأطفال: السياسة ليست مباراة أخلاق، بل سوق صفقات. فالهتاف ضد السعودية لا يُباع في السوق العربية كالصراخ ضد تركيا، فالأولى يُحسدها الحاسدون، والثانية تُمسك بخيوط اللعبة ببراعةٍ تجعل النقدَ ضدها أشبه بمن يسبح ضد تيار نهرٍ غاضب.

أما الدليل، فها هو ذا: افتحوا موقع الخارجية التركية، واقرأوا بيانًا واحدًا عن التعاون مع إسرائيل في مجال الطاقة، أو زروا أرشيف الأمم المتحدة لتجدوا أن تركيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل عام ١٩٤٩، وأن علاقتها معها تشبه زواجاً مفتوحاً: خلافات علنية، وصفقات سرية. بينما السعودية، ورغم كل الضغوط، لم تُعلن أي خطوة تُشبه "التطبيع" إلا في كوابيس أعدائها.


هنا نصل إلى جوهر المهزلة: ليست الشعارات سوى أوراق لعبٍ يُحركها هواة السياسة. فالمحتجون الذين يرفعون شعارات "التطبيع" أمام الجناح السعودي يشبهون مَن يشتكي من سرقة جاره بينما هو يسرق بيتاً كاملاً! ولو سألت أحدهم: "لماذا تركيا لا تُحتجى؟" لقال لك ببراءة: "لأنهم أصدقاؤنا!"، وكأن الصداقة تُبيح تناقض المبادئ.

العقل هنا ليس مجنوناً، بل مُغيّبٌ بمهارة. فالهجوم على السعودية ليس دفاعاً عن فلسطين، بل هو جزء من لعبة أكبر: تشويه صورة الخصوم، وتلميع الذات، وبيع الوهم للجماهير على أنه بطولة. أما الحقيقة، فهي كالكتب المكدسة في المعرض: مُغطاة بطبقة سميكة من الغبار، يقلبها من يريد، ويتجاهلها من لا يريد.


في النهاية، إذا أردت أن تفهم العالم العربي، تذكر أن المنطق هنا "مريضٌ مزمن"، والشعارات "عكازته". أما الحقيقة، فهي تقف خلف الأجنحة تُراقب الضحك وتنتظر دورها على المنصة، التي قد لا يأتي أبداً.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي