خادم الموتى
بقلم: مُقلِّد مُتعجرف لأسلاف السخرية
أيها السادة، اسمحوا لي أن أبدأ مقالي هذا بالاعتراف بأنني لستُ خادماً لأحد… إلا ربما لقهوتي الصباحية التي ترفض أن تُخدَم إلا بثلاث ملاعق سكر، وشيءٍ من التهذيب. لكنني مؤخراً، وبعد أن سمعتُ عن ألقابٍ عجيبةٍ تُمنح هنا وهناك —مثل "خادم الزهراء" أو "خادم الحسين" أو حتى "خادم ابن العصفور" (إن جاز لي تصحيح الاسم)— خطر لي سؤالٌ بسيط: كيف يَخْدُمُ الإنسانُ ميتًا؟
لطالما ظننتُ أن الخدمة تتطلب طرفين: خادمًا ومخدومًا. فإن كان المخدوم قد فارق عالمنا منذ قرون، فكيف تُقدم له الشاي؟ هل تُنْقِرُ على قبره وتقول: "تفضل سيدي، أهو بالليمون أم بالنعناع؟" وإن كان الجواب "لا شيء"، فهذا يعني إما أن الميت لا يشرب، أو أن الخادمَ… يخدع نفسه!
لكن لا تتعجلوا في الحكم، أيها القراء. فصاحب اللقب سيُجيبكم بكل ثقة: "هذا مجازٌ بلاغي، أيها الجاهل! نحن لا نعني الخدمة الحرفية". هنا أتساءل: إذا كانت الألقاب مجازًا، فلماذا نصرّ على حملها وكأنها أوسمة عسكرية؟ لماذا لا نسمّي أنفسنا —مثلاً— "خادمي فكرة الزهراء" أو "حَمَلة ذكرى الحسين"؟ أليس هذا أوضحَ؟ لكن لا… اللقب يجب أن يكون مبهرجًا، كي يُخفي وراءه فراغًا.
لإيضاح الفكرة، تخيلوا هذا الحوار مع أحد هؤلاء "الخدم":
- أنتَ تلقب نفسك "خادم ابن الأشتر"، فماذا فعلتَ لخدمته؟
- (بكبرياء) "أنا أحمل اسمه وأذكّره في خطاباتي!"
- وهل طلب منك ابن الأشتر ذلك قبل موته؟
- "…هذه تقيةٌ أيها السفيه!"
- التقية؟ أي أنك تكذب؟
- "لا… أنا أتستّر بالحق!"
- أي أنك تخفي أنك لا تخدم أحدًا؟
- "…أنت لا تفهم المجاز!"
أيها السادة، لو أن هؤلاء "الخدم" قضوا جزءًا من وقتهم في خدمة الأحياء —كبناء مدرسة أو إطعام جائع— لَما احتاجوا إلى ألقابٍ تُذكِّرنا بعظماء ماتوا. فالشجرة الحقيقية لا تُعلن عن نفسها، بل ثمارها تتكلم. أما الشجرة الجافة… فتعلق عليها أوراقًا ذهبية وتصرخ: "انظروا! أنا خادمةُ الغابة!"
لنختم بقصة من التراث الساخر: ذات يوم، لقّب رجلٌ نفسه "خادم أرسطو"، فسأله الناس: "ماذا قدّمت لأرسطو؟" فأجاب: "قدّمتُ له أعذاري… لأنه لو رآني اليوم لَطردني من باب الفلسفة!"
فهل نستحق ألقابنا إنْ كنا لا نستحق حتى حذاء من نَنْسُبُ أنفسنا إليهم؟
~ يُكتَبُ هذا المقال بينما أخدم قهوتي بإخلاصٍ غير مجازي. ~
تعليقات
إرسال تعليق