خاطرة: بين ملحد ومؤمن

بين قيد الرمل ومسبحة الوجود

الرجل الأول يسكن في جسد من لحم، لكن روحه حجر يدحرجه الوجود عبثًا. يرى الحياة كساعة رملية تتبدد حباتها دون أن تترك أثرًا.
"لماذا أزرع إن كنت لن أحصد؟" يسأل نفسه كل فجر، بينما يغمس أصابعه في قهوة العدم الباردة. إنه ابن الفلسفة المادية المتشائمة، يقرأ نيتشه فيخطئ فهم إرادة القوة، ويسمع كامو فيظن أن السخافة نهاية المطاف، لا بداية التمرد.

تعاسته ليست في قلة المال أو الحب، بل في إيمانه بأن الموت سُدادة زجاجة فارغة. حين ينام، تحضنه ذئاب الأسئلة:
"أهذا كل شيء؟ هل نحن مجرد ضحكة كون طفولي؟"

أما الرجل الثاني، فهو واقف على حافة النهر ذاتها، لكنه يرى في الماء مرآة الأزل. الدنيا بين يديه كسفينة ورقية تقله نحو محيط لا يُرى.
"ما أخذه الزمن أعطاه الأبد مائة ضعف"، يهمس وهو يلمس جرحًا قديمًا كأنه يلمس قدرًا مكتوبًا.

إيمانه بالآخرة ليس هروبًا من الواقع، بل هو حبل متين يربط جزيرة الألم بقارة المعنى. حين تسقط منه تفاحة السعادة، لا يلعن الجاذبية، بل يسأل: "ماذا تخبئ لي الشجرة في جذورها؟"
رضاه كالنخلة التي تعرف أن العاصفة لن تقتلعها، بل ستروي عطش جذورها إلى العمق.

الفرق بين بحرين

الفرق بينهما كالفرق بين من يبني بيتًا على موج البحر، ومن ينحت غرفة في صخر الجبل.
الأول يصرخ: "الوجود سراب"، والثاني يردد: "السراب دليل على وجود الماء".
شتان بين من يعيش كغريب في فندق مؤقت، ومن يستثمر أيام الإيجار لزراعة حديقة يُشم عبقها من وراء الجدران.

تعاسة الأول تأتي من كونه سجين الأنا. يظن أن السعادة ملك يد تمسك بها، فإذا أفلتت منه، أسقط الكون كله في دائرة الاتهام.
أما الثاني، فالسعادة عنده ضيف يطرق الباب دون سابق إنذار، يقدم لها ما تيسر، ويشكر الله حتى على صوت خطواتها التي تذهب وتأتي.

القضاء والقدر عند الأول سجن مظلم، وعند الثاني نافذة تطل على أسرار الحكمة.

في النهاية، الرجل العاصف الذي لا يؤمن بغاية يذوب كالملح في ماء اللحظة، والرجل الهادئ الذي رأى في الأبد انعكاسًا لوجه الحقيقة، ليسا إلا وجهين لسؤال واحد:
"هل نعيش كضيوف ننتظر الرحيل، أم كرسل نحمل الحروف ما لا تحتمل من الأسرار؟"

الجواب يكمن في كيفية قراءتنا لنقطة النهاية...

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي