حينما يصبح النبي العربي... غير عربي!
لو أن أحداً أخبرني ذات يوم أن بإمكان البشر إعادة كتابة التاريخ بلمسة سحرية من الخيال، لقلت له: "هذا هراء!"... لكن يبدو أن البعض قد قرر أن يتفوق على السحرة، فصنع معجزة جديدة: تحويل النبي محمد — صلى الله عليه وسلم — من عربي إلى... لا أدري ماذا! ربما إلى "كائن فضائي" أو "سائح صيني"! ذلك أن فريقًا من المؤرخين الجدد — أو فلنقل: "المؤرخين الهواة" — قد قرروا ببراعة أن النبي العربي لم يكن عربيًا، لا لشيء إلا لئلَّا يُنسب فضلٌ ما إلى العرب أو السعوديين! وكأن الفضل يُقاس بالجغرافيا لا بالرسالة!
عروبة النبي بين الوثائق وحفريات الخيال!
لنبدأ بالوثائق — فهؤلاء "المؤرخون" يحبون أن يظهروا كالعلماء —:
- شجرة النسب التي تُحرق أوراقها بالجهل:
يقول ابن هشام في "السيرة النبوية": «محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم... حتى ينتهي النسب إلى عدنان من ذرية إسماعيل بن إبراهيم». فهل سمعتم بإسماعيل؟ نعم، ذلك العربي ابن النبي إبراهيم — عليهما السلام — الذي سكن مكة وتزوج من قبيلة جرهم العربية! حتى أن المؤرخ اليوناني ديودور الصقلي (القرن الأول ق.م) ذكر أن العرب ينسبون أنفسهم إلى إسماعيل. فكيف يُنسب النبي إلى إفريقيا أو آسيا الوسطى؟! - لغة القرآن: هل هي سواحيلية أم إسبيرنتو؟
القرآن نزل بلسان عربي مبين — كما قال الله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: ٢] — فلو كان النبي غير عربي، لكانت معجزته الكبرى أن ينطق بهذه العربية الفصيحة دون أن يكون منها! وكأننا نقول: "شكسبير كان فرنسيًا... لكنه كتب بلغة إنجليزية بلهجة لندنية!" — هكذا ببساطة! - الشهادة الأعدل: أعداؤه!
حتى خصوم النبي من قريش — الذين شنّوا عليه حربًا شعواء — لم يشككوا في عروبته، بل نعتوه بـ "الصابئ" أو "الكاهن"، لكنهم لم يقولوا: "هذا الرجل منغولي!"... لأن عروبته كانت واضحة كشمس الصحراء. حتى أن المستشرق الإنجليزي مونتغمري وات أكد في كتابه "محمد في مكة" أن انتماءه لقبيلة قريش كان محوريًا في شرعيته الاجتماعية.
لماذا يُنكرون عروبته؟ لأن الجمل لا يعرف السباحة!
هنا يكمن السر: إنها "سياسة إنكار الفضائل"! فبعض النفوس — كما يقول توين — "تتحول إلى قوارب صغيرة تسبح في بحر الحقد، فتغرق في أول موجة منطق!"...
- المنطق الأول: لو اعترفنا أن النبي عربي، فربما يذكر الناس أن الإسلام نشأ في الجزيرة العربية، وبالتالي فـ"السعوديون" — أو العرب عمومًا — لهم دور في التاريخ! وهذا — بالطبع — خطيئة في عصر يُحاكَم فيه التاريخ بأهواء السياسة.
- المنطق الثاني: إذا جردنا العرب من كل فضل، فسنصبح كمن يقول: "الحضارة الرومانية بناها الإسكيمو!"... لكن التاريخ لا يُكتب بالتمني، بل بالحفريات والوثائق.
أدلة إضافية لمن يحبون الكوميديا السوداء!
- وثيقة المدينة: دستورٌ كتبه "غير العرب"!
في دستور المدينة — الذي أبرمه النبي — نَصّ على أن "قريشًا أهل هذا الكتاب" (أي الحُكم)، وقريش هي القبيلة العربية التي وُلد فيها النبي. فهل كان الدستور مزيفًا؟ أم أن "المؤرخين الجدد" يعرفون سرًا لم يعرفه الصحابة؟! - الشعر الجاهلي: أكذوبة أم دليل؟
الشعراء الجاهليون — مثل زهير بن أبي سلمى — ذكروا قبيلة قريش ونسبها قبل الإسلام. فهل كل الشعر الجاهلي مُختلق؟ إذن فلنحرق كل الكتب ونبدأ من الصفر! - علم الجينات يُدلي بدلوه
دراسات الحمض النووي الحديثة — مثل بحث د. علي المنتشري (جامعة الملك عبد العزيز) — تؤكد أن سلالة آل البيت تعود إلى الجزيرة العربية. فهل العلم "متآمر" أيضًا؟!
التاريخ ليس لعبة ليغو!
أخيرًا، أيها السادة، التاريخ ليس قطعة صلصال نشكلها كما نريد. النبي محمد — صلى الله عليه وسلم — عربي بالنسب، عربي باللسان، عربي بالثقافة... وهذا لا ينتقص من عالمية رسالته، كما أن كون المسيح يهوديًا لا يلغى عالمية المسيحية! لكن أن ننكر الحقائق لنصفي حسابات سياسية، فهذا يشبه أن ننكر أن "المتفائل" أمريكي لأننا نكره البطاطس المقلية!
تعليقات
إرسال تعليق