الأزهر الشريف: تاريخ متناقض بين الفاطمية والسنية وأزمة الشرف الممنوح

 

الأزهر الشريف: تاريخ متناقض بين الفاطمية والسنية وأزمة الشرف الممنوح


عندما يُمنح الشرف كوسام بلا تحقيق أو سند، يصبح مجرد لقب يتناقله الناس دون أن يعكس حقيقة. فما الذي يجعل مؤسسة تعليمية تُنعت بالشرف، بينما جذورها وتاريخها متناقضان؟ الأزهر الشريف، تلك المؤسسة العريقة التي تُعتبر منارةً دينية وتعليمية، وُلد في سياق سياسي ومذهبي مُعقد، ومع ذلك اكتسب لقب "الشريف" رغم التقلبات التي مر بها، حتى صار اسمه جزءًا من جدل لا ينتهي حول هويته الفكرية وعقيدته الدينية.

يعود أصل التسمية إلى الفترة الفاطمية، عندما أسس الخليفة المعز لدين الله الفاطمي الأزهر في عام 972م، ليكون مركزًا لتدريس المذهب الشيعي الإسماعيلي. لم يكن اللقب "الشريف" جزءًا من الاسم حينها، لكنه اكتسب لاحقًا أهمية رمزية بسبب موقعه الديني والتعليمي. ومع سقوط الدولة الفاطمية وقيام الدولة الأيوبية، ألغى صلاح الدين الأيوبي التدريس الشيعي في الأزهر وحوّله إلى مؤسسة سنية، لكن المذهب الذي تبنّاه الأزهر بعد ذلك لم يكن خاليًا من الإشكالات، إذ أصبح حاضنةً للفكر الأشعري والصوفي، وهو ما أثار معارضة من أهل الحديث الذين رأوا في هذا التوجه استمرارًا للبدعة وإن كانت في ثوب مختلف.

تلك الخلفية التاريخية تُلقي بظلالها على واقع الأزهر اليوم، حيث يُنظر إليه على أنه ممثل أهل السنة، بينما تتبناه العقيدة الأشعرية التي تتعارض في نقاط عدة مع فكر السلفية وأهل الحديث. وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الأزهر يُعتبر حصنًا للمذهب السني، لكنه في الوقت ذاته يتبنى تأويلات الأشاعرة في العقيدة، وهي تأويلات أقرب إلى منهج المعتزلة من حيث تقديم العقل على ظاهر النصوص. وهذا يجعل البعض يتساءل: كيف يكون الأزهر "شريفًا" إذا كان يدافع عن عقيدة لا تمثل الإجماع السني؟

في الوقت الذي يدّعي فيه الأزهر تمثيل العقيدة السنية، فإنه يعانق التصوف ويدافع عن ممارساته، حتى تلك التي يعتبرها أهل الحديث من البدع. فالصوفية الذين لهم حضور قوي داخل المؤسسة، يُضفون طابعًا روحانيًا على الطقوس، معتبرين أن الرقص حول القبور هو "ذكر"، وأن التوسل بالأضرحة هو "تبرّك"، وهو ما يعارضه تيار السلفية الذي يرى أن هذه الممارسات انحرافٌ عن التوحيد الصافي. كيف يمكن لمؤسسة تجمع بين التأويل العقلي للأشاعرة والتصوف العملي للطرق الصوفية أن تُقدم نفسها على أنها الممثل الشرعي الوحيد للسنة؟ أليس هذا أشبه بمؤسسة ترفع شعار الحداثة بينما تُمارس طقوس العصور الوسطى؟

الحجة التي يكررها أنصار الأزهر في الدفاع عن لقبه "الشريف" هي مكانته العلمية، لكن إذا كان العلم وحده هو المقياس، فكل جامعة إسلامية تُدّرس العلوم الشرعية تستحق نفس اللقب. بل إن بعض المؤسسات التي تركز على دراسة الحديث وتفسير النصوص وفقًا للمنهج السلفي، تُقدّم نفسها على أنها أقرب إلى منهج أهل السنة من الأزهر. وإذا كان الأزهر يُصر على هذا اللقب بسبب تاريخه، فالتاريخ ذاته يشهد على تقلبه بين المذاهب، من فاطمي إلى أشعري، ومن صوفي إلى مدّعٍ للسنة.

المشكلة ليست فقط في الادعاء بأن الأزهر "شريف" دون دليل، بل في أن هذه الصفة تُستخدم لـترسيخ احتكار التأويل الديني لصالح تيارٍ معين. فمنذ قرون، يقدم الأزهر نفسه على أنه المرجع الوحيد للإسلام السني، رغم وجود مدارس أخرى تنافسه في تقديم فهم مختلف للنصوص الدينية. هذا يجعل المشهد يبدو وكأن مجموعة معينة قررت أن تمنح نفسها لقبًا لتكريس هيمنتها، وكأن "الشرف" ليس إلا وسيلة للتحكم في المشهد الديني.

لو كان الأمر بيد تيارات أخرى، لسُحب اللقب، ولكان الحكم على الأزهر قائمًا على ما يقدمه من فكر، لا على تاريخ موروث أو دعم سياسي. فليس كل ما يحمل اسمًا عريقًا يستحق التبجيل، وليس كل مؤسسة قديمة تظل على نفس المبادئ التي تأسست عليها.

لعل الوقت قد حان لإعادة النظر في الألقاب، والاعتراف بأن الأزهر، رغم تاريخه العريق، ليس بالضرورة "الشريف" الوحيد، وإنما مؤسسة مثل غيرها، تخضع للنقد، وتحتاج إلى مراجعة مستمرة لما تقدمه من فكر ومنهج. قد يكون من الأفضل تسميته باسم يعكس حقيقته اليوم، بعيدًا عن العناوين الموروثة التي تُستخدم لأغراض لا علاقة لها بالعلم أو الدين، وإنما بـالهيمنة والسلطة الرمزية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي