يا سعوديون!! نحن علمناكم!! نحن بنينا بلادكم!!
لو أن جبلاً ادَّعى أنه صنع الصحراء، لضحكنا حتى تُنْثَرَ رمالُ الكِبر من بين أضلاعنا! لكن العجيب أن تُصادف بشراً يَرْوون لكَ حكايةً كحكاية ذلك الجبل، فيقولون: "نحن من بنينا السعودية!" وكأنما المملكةُ وليدةُ أحلامهم لا سواعدِ أبنائها! أما السؤال الذي يُطارحني نفسي إياه: إذا كان هؤلاء البناؤون العظماء قادرين على تشييدِ مملكةٍ من ذهب، فلماذا تاهتْ بلادُهم في متاهاتِ الجهلِ والفقرِ والخراب؟
أيها السادة، اسمحوا لي أن أبدأ باللبناني، ذلك الرجل الذي يَفْتخرُ كأنما "الشاورما" التي يبيعها في الرياض هي حجرُ الأساس في برجِ الفيصلية! ينسى أن لبنانَ، ذلك البلدُ الذي كان يُسمَّى "سويسرا الشرق"، صار اليومَ يُشبه سوقاً للخردةِ الفكريةِ والسياسية! فإن كانوا حقاً بنَوا السعودية، فلماذا لم يبنوا جسراً واحداً في بيروتَ إلا وانهارَ مع أولِ عاصفةٍ فساد؟
أما المصري، الذي يُعلِّمُ أطفالَ الرياضِ جدولَ الضرب، فليتذكر أن مدارسَ قريته في الصعيدِ تفتقرُ إلى مقاعدَ وورقٍ وأقلام! نعم، يا سادة، إنه يُدرِّسُ "النظريةَ النسبيةَ" في جدة، بينما قناةُ السويسِ التي حفرها أجدادهُ تُدارُ اليومَ بِعقليةِ زمنِ الفراعنة! أليسَ مِنَ العارِ أن تتباهى بتعليمِ الآخرين وأنت لا تجدُ في بلادك إلا "نسبيةَ" الفقرِ والجهل؟
والفلسطيني، ذلك البطلُ المُعلَّقُ بين حجرِ الاحتلالِ وذكرياتِ الماضي، يصرخُ في كل مناسبة: "نحن من غرسنا النخيلَ في أرضِكم!" وكأنما السعوديةُ بستانٌ ورثته عن جدهِ الثالث! لكنْ، يا صديقي، إذا كنتَ خبيراً في الزراعةِ والبناء، فلماذا لم تُنقذْ شجرةَ زيتونٍ واحدةٍ في أرضكَ المحتلة؟ ولماذا تَسكنُ في مخيمٍ من الصفيحِ بينما تزعمُ أنك مهندسُ ناطحاتِ السحاب؟
أيها المدَّعون، اسمعوا هذه الحكمة: "إذا أردتَ أن تبيعَ الوهم، فاخترْ زبوناً لم يرَ المرآةَ بعد!" لكن السعودي رأى المرآةَ جيداً، وعرفَ أن اليدَ التي بَنَتْ الرياضَ الحديثةَ هي يدٌ وُلدتْ من رحمِ الصحراء، لا من غبارِ الشعارات! نعم، استعانَ آباؤهم بذكاءٍ بمهاراتِ الوافدين، لكنَّ الذهبَ الأسودَ لم يَنْجَلِ إلا بفضلِ قرارٍ سعوديٍّ، والرؤيةَ الحديثةَ لم تُخطَّطْ إلا بعقلٍ سعوديٍّ، والإرادةَ التي حوَّلتْ الرمالَ إلى مدنٍ لم تكن إلا سعوديةً حتى النخاع!
أما القولُ الفصلُ فهو هذا: "إذا كان هؤلاء البناؤون العِظامُ قد تخلوا عن أوطانهم فجعلوا منها خرائبَ، فكيف يُصدَّقُ أنهم بنوا لغيرهم جناتٍ؟" هل سمعتم بمهندسٍ يبني قصوراً للآخرين، بينما أبناؤه ينامون في العراء؟ إنه كالذي يبيعُ المصابيحَ ويَسكنُ في ظلام!
خُذوا العِبرةَ من التاريخ: الألمانُ لم يقولوا "نحن بنينا أمريكا" رغم هجرةِ ملايينهم إليها، والصينيون لم يَزعموا أنهم علَّموا العالمَ الزراعةَ رغم انتشارهم فيه. الأُممُ الحقيقيةُ تَصنعُ تاريخَها بصمت، أما الأقزامُ فيصنعون الضجيجَ لِيُغطوا على عجزهم.
ختاماً، أيها الإخوة المُتفيهقون، تذكروا أن الجملَ الذي يَحملُ أسرارَ بناءِ القصورِ سرعان ما سينكشفُ حين يُطلبُ منه أن يبني كوخاً! السعوديةُ ارتقتْ لأنها آمنتْ بأبنائها أولاً، أما من باعوا أوطانهم للفسادِ والجهلِ، فليتسلوا بالكلام؛ فالكلامُ هو كل ما تبقى لهم.
وداعاً... فلعلَّ كلماتي هذه تصلُكم قبل أن تَدفنَها رمالُ الواقعِ، أو تُغرقَها مياهُ النيلِ الآخذةُ في النضوب!
تعليقات
إرسال تعليق