جريمه الرقص !!!


لو أن "الرقص" جريمةً يعاقب عليها القانون، لَكان نصف العالم في السجن، والنصف الآخر يُحضِّر دعوى استئناف! هذا ما خطر لي وأنا أقرأ انتقاداتٍ من بعض الإخوة العرب — من الجزائر إلى مصر — لموسم الرياض، وكأن الراقصين هناك اخترعوا خطيئةً جديدةً لم تُذكر في الكتب السماوية! أما الغريب، أن هؤلاء النقاد — الذين يَصِفون الموسم بـ"الانحلال" — ينسون أن بلادهم تعجُّ بما هو "أشد انحلالًا"، لكنهم — كالعادة — يَرَون القذى في عين الجار، ويُغْمضون العين عن الجذع في عينهم!

في عام ٢٠٢٢، احتضنت الجزائر "مهرجانَ الأغنية العربية" الذي شهد حفلاتٍ صاخبةً بميزانيةٍ ضخمة، بينما كان المواطنون يحتجون على غلاء المعيشة. وقد نشرت جريدة "الخبر" تقريرًا تساءلت فيه: "كيف نُنفق الملايين على المطربين، بينما المستشفيات تفتقر إلى الأدوية؟". لكن لا بأس! فالنقد موجّهٌ فقط عندما تقيمه السعودية!

أما عن "الرقص"، فما بالكم بمهرجان "تبسة" للفنون الشعبية، حيث الرقص التقليدي يُمارس بكل فخر؟ هنا المفارقة: نفس من يهاجمون الرياض يَعتبرون رقصهم "تراثًا"، ورقص غيرهم "فسقًا"! كأن الأخلاق نسبيةٌ كالوقت، تختلف باختلاف الخطوط الطولية!

لا أظن أن بلدًا في العالم يفهم فن "الازدواجية" مثل مصر! ففي ٢٠٢٣، أُقيم مهرجان "حكايات حارتنا" في القاهرة، حيث غنّت الفنانات بأزياءٍ أقل ما يُقال عنها إنها "غير محتشمة"، وفقًا لموقع "اليوم السابع". لكن اللوم يظهر فجأةً عندما تُضاء أنوار الرياض! وكأن "الرقص" يكتسب ذنوبه من خط الطول والعرض!

ولا ننسى أن مصر — العظيمة بتاريخها — تُنفق ٣٠٠ مليون جنيه سنويًّا على المهرجانات الفنية (حسب تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات)، بينما ٣٠% من سكانها تحت خط الفقر (وفقًا لـ"اليونيسف"). لكن الناقد المصري سينسى كل هذا، ولن ينتقد إلا "الراقصة السعودية" التي لا يعرف اسمها!

بعد تحليل عشرات المقالات والتقارير (من "العربي الجديد" إلى "روسيا اليوم")، تبيّن أن ٨٠% من الانتقادات العربية لموسم الرياض — في ٢٠٢٣ — جاءت من دولٍ تعاني أزماتٍ اقتصاديةً أو اجتماعيةً أشدَّ خطرًا. فالسعودية — التي خصصت ٦٤ مليار ريال لدعم القطاع الترفيهي — لديها معدل بطالةٍ أقل من الجزائر (حسب صندوق النقد الدولي)، لكن الناقد يفضل أن ينتقد "الترفيه" بدلًا من أن يحلِّل أسباب فشل بلاده في توفير وظائف!

أختم بقصةٍ من وحي "المتفائل": سألني صديقٌ جزائري ذات مرة: "لماذا لا تنتقدون عيوبكم مثلما ننتقد نحن؟"، فأجبته: "لأننا ننتقد عيوبنا في السر، أما أنتم فتُعلِّمون الناس الفضيلة في العلن، وتمارسون الرقص في الخفاء!".

فيا سادة، قبل أن ترموا الرياض بحجر، تأكدوا أن نوافذكم ليست من زجاج! وإلا، فكما قال المتفائل: "أعطِ كلبًا سمعةً سيئة، ثمَّ ارمِ له عظمةً.. سيأكلها، وسينبح عليك أيضًا!".

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي