قصة: موسم الأربعين ١
في زحام الأربعين، حيث تتمازج الأنفاس بالصلاة والدموع، وقف خالد بن عبدالله، الشاب السعودي، أمام بوابات العتبة الحسينية. كان يحمل في عينيه نفس البراءة التي كان يتمتع بها الحجاج الأوائل. كان يظن أن الموت في كربلاء يعني الشهادة الحقيقية، لكنه اكتشف أن هنا، حيث تُباع الشهادات وتُحاك الأكاذيب، لا شيء مقدس سوى المال والمصالح.
بينما كان خالد يتنقل بين مواكب الزائرين، شعر بشيء غريب. اقترب منه شاب بملابس متسخة، وعرض عليه تربة مقدسة من قبر الحسين مقابل مئة دولار. تجاهله خالد، فصرخ الشاب: "ألا تستحق التربة المقدسة هذا المبلغ؟!" في عينيه كان هناك جشع يخفيه وراء واجهة الدين والتقوى. لم يكن خالد قادرًا على أن يصدق ما يرى، فالأماكن المقدسة التي جاء ليزور فيها، قد تحولت إلى أسواق لبيع وشراء الرموز.
داخل صحن العتبة، حيث تتراقص الأضواء الذهبية وسط دموع الزائرين، شاهد خالد رجلاً يجمع الأموال في صندوق مغلق قائلاً: "تبرعوا لفقاء آل البيت!" وبينما كانت الحشود تزدحم حوله، اشترى الرجل أول مئة دولار سجائر من بائع قريب. تساءل خالد في نفسه: "هل سرقة الأموال باسم الحسين أصبحت من مظاهر التضامن؟" فكانت الإجابة من أحد الحجاج الذي بدا عليه التعب الشديد: "هنا، حتى السرقة تُعتبر قربة إذا كانت باسم الحسين!"
وفي أحد الأزقة الخلفية للعتبة العباسية، التقى خالد بطفلة صغيرة تبيع ماء الفرات في زجاجات ملوثة. سألها عن أهلها، فأشارت إلى والدها النائم على الرصيف وقالت: "أبي يريد مالًا للسكر." حاول أن يساعدها لكن والدها اقتحم الموقف غاضبًا قائلاً: "لا تتدخل في شؤون آل البيت!" هرب خالد، حاملاً صورة تلك الطفلة التي ابتسمت وكأنها تدرك سر هذا العالم الملوث.
في مقهى مليء بالدخان، التقى خالد بمُرشد سياحي سابق. قال الرجل وهو يدخن سيجارته: "كنا نخدم الزوار، والآن نخدم السلطة. إذا أردت المساعدة، عليك أن تدفع. حتى الدموع هنا أصبحت سلعة." كانت كلمات الرجل بمثابة صدمة لخالد، فهل هذا هو الحال في المدينة التي كان يعتقد أنها معقل من معاقل الإيمان؟
بينما كان خالد يتجول في شارع "بين الحرمين"، رآى شاحنات تحمل سلعًا مهربة تحت شعار "منتج خاص لآل البيت". سمع السائقين يتفاخرون: "هذا العطر من دماء الشهداء!" وعندما أمسك خالد بزجاجة، اكتشف أنها كانت ملوثة بزيت السيارات. رماها أرضًا، ولكن الزجاجة تحطمت كما تحطمت نظرته للواقع. كانت الحقيقة أفظع مما تخيل، والعلامات المقدسة تتحول إلى تجارة رخيصة.
عند مغادرته كربلاء، وقف خالد أمام مقام العباس، وهو يراه مليئًا بالزوار والدموع. سأل حاج عراقي: "ماذا أخذت من زيارتنا؟" فأخرج خالد من جيبه تربةً سرقها من شارع فقير، وقال: "أخذت دينًا يبكي على أطلال نفسه."
وهكذا عاد خالد إلى سيارته، وهو يحمل في قلبه صورة كربلاء الجديدة: مدينة تبكي على مجد مفقود، وتبيع دموعها لمن يدفع ثمن الوهم. وهو يسمع أذان المساء يمر عبر الحدود، يتساءل: "هل يمكن أن تكون القدس هي آخر معقل للبراءة؟ أم أن التقديس أصبح سلعة تُباع بأعلى الأثمان؟"
تعليقات
إرسال تعليق