قصة: سعودي في العراق
القدسُ في اللافتات… بغدادُ تحتَ الأنقاض: يومياتُ ناصر بن علي
في مطارِ بغداد الدولي، حيثُ يُزيّنُ الجدارَ المتهالكَ شعارٌ كبيرٌ كُتبَ عليه: "القدسُ لنا… بغدادُ صامدة!"، وقفَ ناصرُ بن علي، الشابُّ السعودي، يُحاولُ استنشاقَ رائحةِ دجلةَ بين أبخرةِ العرقِ والبنزينِ والفوضى. تساءلَ في صمتٍ: "إذا كانت بغدادُ صامدةً، فلماذا تبدو كمن تلقّى ألفَ طعنة؟"
في طريقهِ إلى الفندق، مرَّ بشوارعَ امتلأتْ بصورِ قادةِ المقاومةِ وكلماتِ التحدّي. تحتَ صورةِ مقاتلٍ ملثمٍ يحملُ بندقيةً كتبَ أحدُهم بخطٍّ يدويٍّ مرتجفٍ: "لا صوتَ يعلو فوقَ صوتِ فلسطين!"، لكنَّ صرخةَ طفلٍ يتسوّلُ على الرصيفِ القريبِ كانت أعلى من كلِّ اللافتات.
في مقهى شعبيٍّ، جلسَ ناصرٌ مع مجموعةِ شبابٍ عراقيين، دارَ الحديثُ حولَ الوضعِ العربيِّ والقضيةِ الفلسطينية. قالَ علاء، وهو شابٌّ في منتصفِ العشريناتِ يرتدي قميصًا عليهِ صورةُ الأقصى:
— "نحنُ نحملُ همَّ فلسطين، فهي جُرحُ الأمّة!"
نظرَ ناصرٌ حوله، إلى الطاولاتِ المتهالكةِ، إلى النادلِ الذي يرتدي حذاءً مثقوبًا، ثم قالَ بهدوء:
— "وأين جُرحُ بغداد؟"
ضحكَ علاءُ وقالَ بلامبالاةٍ:
— "بغدادُ ستعيشُ، لكنَّ فلسطينَ تحتاجُنا!"
في سوقِ المتنبي، حيثُ الكتبُ تملأُ الأرصفةَ، توقّفَ ناصرٌ عندَ بائعٍ يبيعُ أعلامَ فلسطينَ إلى جانبِ رواياتٍ عن الاحتلالِ الأمريكي. سألَ البائعَ وهو يُشيرُ إلى العلم:
— "كم سعرُه؟"
ابتسمَ الرجلُ بحماسٍ:
— "لكَ مجانًا يا أخي! فكلُّ بيتٍ عراقيٍّ يجبُ أن يحملَ علمَ فلسطين!"
أشارَ ناصرٌ إلى طفلٍ صغيرٍ يجلسُ على الرصيفِ القريبِ، يبيعُ المناديلَ الورقيةَ ووجهُه يكسوهُ الغبارُ، وسألَ:
— "وهل يحملُ كلُّ بيتٍ عراقيٍّ خبزًا أيضًا؟"
تجمّدَ البائعُ للحظةٍ، ثم قالَ مُتمتمًا:
— "الرزقُ بيدِ الله…"
في أحدِ شوارعِ بغداد القديمة، وقفَ ناصرٌ أمامَ جدارٍ مُغطّى بالكتاباتِ الحماسية: "المقاومةُ طريقُ العزّة!"، "فلسطينُ قضيتُنا الأولى!"، "القدسُ لن تُباع!". كانَ الجدارُ مليئًا بالثورةِ… لكنه كانَ أيضًا مليئًا بالشروخِ، وكأنّ الكلماتِ تحاولُ أن تُخفي التصدّعَ الذي يزدادُ في كلِّ زاويةٍ من المدينة.
في لقاءٍ معَ أكاديميٍّ عراقيٍّ في جامعةِ بغداد، سألَ ناصرٌ الأستاذَ الذي كانَ يُلقي محاضرةً عن "القضيةِ المركزيةِ للأمّة":
— "ألا ترى أنَّ بغدادَ تحتاجُ أن تكونَ قضيتَكم المركزيةَ أولًا؟"
ابتسمَ الأستاذُ، وكأنّهُ قد سمعَ هذا السؤالَ من قبل، وقالَ:
— "فلسطينُ هي بوصلتُنا، ومن يقفُ معها فهوُ يقفُ معَ الحق!"
سألَهُ ناصرٌ مُجددًا:
— "لكن من يقفُ مع بغداد؟"
صمتَ الأستاذُ للحظة، ثم قالَ بصوتٍ منخفضٍ وهو يُحدّقُ في الورقةِ التي أمامه:
— "نحنُ منشغلونَ بقضيةِ الأُمّةِ الكبرى…"
في اليومِ الأخير، زارَ ناصرٌ ضفافَ دجلة، حيثُ انعكستْ على الماءِ صورةُ لافتةٍ ضخمةٍ تُظهرُ قبةَ الصخرةِ معَ شعارٍ كبيرٍ: "لن ننسى فلسطين!". نظرَ إلى الماءِ الذي بدا ملوّثًا، وإلى القواربِ الخشبيةِ المهترئة، وإلى رجلٍ مسنٍّ يُلقي شبكةً بحثًا عن سمكةٍ قد لا تأتي. سألَ نفسهُ:
"هل من ينسى نفسَهُ يمكنُهُ أن يُنقذَ غيره؟"
على متنِ الطائرةِ إلى الرياض، كتبَ ناصرٌ في مذكّراته:
"العراقيُّ يحبُّ فلسطينَ أكثرَ من بغداد، كما لو أنّهُ إذا أحبَّها كفايةً، سيشفى من أوجاعهِ الخاصّة. يهربونَ إلى القدسِ لأنّ العودةَ إلى بيوتهم تعني مواجهةَ الأسئلةِ التي لا تُحتمل: مَن نهبَ البلاد؟ مَن قتلَ الأبرياء؟ لماذا ما زالت بغدادُ تنتظرُ ثورةً حقيقيةً؟"
الآن، وهو يُشاهدُ من نافذةِ غرفتهِ في الرياضِ مشاريعَ البناءِ تتقدّم، يتساءل:
"لماذا تبدو بعضُ الشعوبِ وكأنها تُفضّلُ الحلمَ على الاستيقاظ؟ وهل يمكنُ لدولةٍ غارقةٍ في الظلامِ أن تُنيرَ دربَ غيرها؟"
هكذا عادَ ناصر، بلا سُخريةٍ، بلا غضبٍ… فقط بحقيقةٍ واحدةٍ لا تُنكر: "في بغداد، القدسُ في اللافتات… أمّا المدينةُ نفسُها، فقد نسيها الجميع."
تعليقات
إرسال تعليق