الجزائر والقضية الفلسطينية: بين المتاجرة بالشعارات والهروب من الأزمات الداخلية

 

الجزائر والقضية الفلسطينية: بين المتاجرة بالشعارات والهروب من الأزمات الداخلية

إذا كانت بعض الحكومات تُقدِّس الأزمات الخارجية كما يُقدِّس العابد أصنامه، فإن الجزائر نموذجٌ مثاليٌ في هذا الفن العريق! بلدٌ يطفو على بحرٍ من الثروات، لكنه غارقٌ في أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية لا تنتهي، وحين يصبح الداخل بركانًا يهدد بالانفجار، لا تجد السلطة حلًا سوى إشغال الشعب بشعارات فضفاضة عن "نصرة فلسطين"، وكأن الشعارات تُطعِم الجياع أو تبني المستشفيات أو تُوقف انهيار الدينار الجزائري!

القضية الفلسطينية، التي يُفترض أنها قضية عادلة تحتاج إلى مواقف صادقة، تحوّلت في الجزائر إلى شماعة تُعلَّق عليها كل إخفاقات النظام. فبدلًا من أن تنشغل الحكومة بمعالجة الفساد الذي ينخر المؤسسات، أو إصلاح الاقتصاد الذي يترنح تحت وطأة سوء الإدارة، تُفضِّل أن تطلق الخطب الرنانة عن "تحرير القدس"، وكأن الشعب الجزائري ليس أحقَّ بالتحرر من الفقر والبطالة والقمع السياسي!

التاريخ يشهد أن الجزائر لم تقدم شيئًا ملموسًا لفلسطين سوى الهتافات في المؤتمرات، بينما الدول التي تُهاجمها وسائل الإعلام الجزائرية - مثل السعودية ودول الخليج - هي التي كانت دائمًا في مقدمة الداعمين الحقيقيين للفلسطينيين، سواء ماليًا أو سياسيًا. السعودية، على سبيل المثال، قدمت مساعدات بمليارات الدولارات لدعم فلسطين، بينما الجزائر تكتفي بـإلقاء الخطب الحماسية، وكأن الصراخ وحده قادرٌ على مواجهة الاحتلال!

السلطة في الجزائر تفهم جيدًا أن القضية الفلسطينية تمثل عاطفة قوية لدى الشعب، ولذلك تستغلها بذكاء لإبعاد الأنظار عن القضايا الداخلية. فكلما تصاعد الغضب الشعبي بسبب الغلاء، أو تفجّرت فضيحة فساد جديدة، أو خرجت الاحتجاجات للمطالبة بالديمقراطية، تُحرِّك الحكومة ماكينة الإعلام الرسمي للحديث عن "المؤامرة الصهيونية"، وعن "التطبيع الخياني"، وكأن الشعب الجزائري يُحرم من أبسط حقوقه بسبب إسرائيل وليس بسبب حكومته التي فشلت في إدارة ثروات البلاد!

لكن المفارقة الكبرى أن الجزائر، التي تهاجم دولًا عربية بسبب علاقاتها مع إسرائيل، ليست نفسها بعيدة عن الحسابات السياسية البراغماتية. ففي السر، لا تمانع من التعامل مع القوى الغربية التي تدعم إسرائيل، لكنها في العلن تصرخ بأنها آخر حصن للمقاومة. أليس هذا نوعًا من النفاق السياسي؟ أليس من الأجدر بالجزائر أن تُصلح أوضاعها الداخلية أولًا قبل أن تزايد على الآخرين؟

اقتصاديًا، الجزائر تعيش أزمة خانقة رغم أنها واحدة من أغنى الدول بالموارد الطبيعية، لكنها بدلًا من الاستثمار في اقتصاد مستدام، تعيش على تصدير الغاز والنفط، دون أي رؤية حقيقية للمستقبل. ومع ذلك، تجد الحكومة وقتًا لتقديم نفسها كـزعيمة للعالم الثالث، وكأن الفلسطينيون بحاجة إلى دروس في التحرر من بلد يعاني شبابه من البطالة حتى أصبحوا يركبون قوارب الموت هربًا من "الجنة الجزائرية"!

في المشهد السياسي، لا يمكن إغفال القمع المستمر للمعارضين والصحفيين، حيث تُمارس السلطة كل أشكال التضييق على الحريات، لكنها تدّعي في الوقت ذاقع أنها صوت الشعوب المستضعفة. فكيف لمن يمنع شعبه من أبسط حقوقه أن يدّعي الدفاع عن حقوق الآخرين؟ كيف لمن يسجن الصحفيين أن يكون حاميًا لحرية فلسطين؟ وكيف لمن يزور الانتخابات أن يكون مؤمنًا بالديمقراطية؟

حين ننظر إلى المشهد العام، نجد أن الجزائر ليست وحدها في استخدام القضية الفلسطينية كـورقة سياسية، لكنها تفعل ذلك بطريقة مكشوفة ومبالغ فيها إلى درجة تجعل حتى الفلسطينيين أنفسهم يتساءلون: ماذا قدّمت الجزائر لنا غير الهتافات؟ فالشعوب لم تعد تنخدع بالخطب الثورية، بل تريد أفعالًا حقيقية، وإذا كانت الجزائر تعتبر نفسها حامية المقاومة، فلماذا لم تبادر بأي مبادرات فعلية لدعم الفلسطينيين، بدلًا من الاستمرار في العيش على أمجاد تاريخية لا تُسمن ولا تُغني من جوع؟

الحقيقة التي يجب أن تُقال، ولو أزعجت البعض، هي أن القضية الفلسطينية بالنسبة للنظام الجزائري ليست أكثر من أداة لإلهاء الشعب، تمامًا كما استخدمتها أنظمة عربية أخرى من قبل. لكن الشعوب اليوم باتت أكثر وعيًا، ولم يعد من السهل خداعها بـشعارات جوفاء لا تُغيّر شيئًا في الواقع. وإذا كان النظام الجزائري جادًا في دعم فلسطين، فليبدأ أولًا بتحرير شعبه من الفقر والفساد، لأن من لا يستطيع إنقاذ نفسه، لا يمكنه إنقاذ الآخرين!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي