مفهوم الاخلاق عند المستعربين: لماذا يهاجمون موسم الرياض؟


يقولون إن السعودية "تحتضن المقدسات"، فنخشى عليها من الراقصات! أما نحن — أهل البلاد التي لا تُقدِّس شيئًا — فعلينا أن نُصبح حراسَ الفضيلةِ العالميين! هذا هو منطقُ بعضِ النُّخَبِ العربية التي تَعتبر نفسَها "حارسةَ الكعبةِ" من كرسيِ مقهى في الجزائر أو شرفةٍ في مصر. كأنما الأخلاقُ تُولدُ في خطوطِ الطولِ، وتَموتُ عند خطوطِ العرضِ!

في 2023، أُقيم في الجزائر مهرجانُ "الرايس" للفنونِ الغنائية، حيثُ احتشدَ الآلافُ حولَ مُغنياتٍ يُحرِّكنَ أكتافَهنَّ كأنهنَّ في سباقِ هوكي! وفقًا لموقع "النصر"، بلغت تكلفةُ الحفلِ 2 مليار دينار، بينما تُعاني الجامعاتُ من انهيارِ البنيةِ التحتية. لكن لا مشكلةَ! فالنقدُ مُوجهٌ فقط إذا كان الحدثُ في أرضِ "المقدسات"! أما عن "المقدسات"، فهل يعلمُ الناقدُ الجزائري أن "مقام الشهيد" — رمزَ ثورتهم — يُحيطُ به مقاهٍ تَعرضُ أفلامًا "غير أخلاقية" وفق تقارير "الشروق اليومي"؟ لكنَّ العينَ لا ترى إلاَّ ما في السعودية! وكأنَّ القداسةَ تُبطِلُ القوانينَ الفيزيائيةَ: تَظهرُ في مكةَ، وتَختفي في الجزائر!

لا يُجادلُ عاقلٌ في مكانةِ مصرَ الإسلاميةِ، لكنَّ بعضَ نُخبِها تَنسى أنَّ الأزهرَ — رمزَ الاعتدالِ — يقعُ على بعدِ أمتارٍ من مسارحِ العَوْدِ الليلي! في 2022، نشرت "الوطن" تحقيقًا عن حفلاتِ "شارعِ الهرم" التي تَجتذبُ السياحَ بـ"رقصاتٍ شرقيةٍ" تَتنافسُ مع أفلامِ هوليوود. لكنَّ الغضبَ يَشتعلُ فقط إذا سَمِعوا كلمةَ "موسم الرياض"! والأعجبُ أنَّ مصرَ — التي تُنفق 4.5 مليار جنيه على السياحةِ (حسب وزارةِ السياحةِ) — تَرفضُ أن تُنفقَ السعوديةُ على ترفيهٍ يَجذبُ الاستثماراتِ! وكأنَّ الاقتصادَ يَحرُمُ إذا كان قُربَ الحرمِ!

الآن، لِنستعنْ بالنصوصِ قبلَ النُّخبِ: في "فتاوى الأزهر": "لا يجوزُ تحريمُ الفنونِ مطلقًا ما دامتْ لا تُخالِفُ الضوابطَ الشرعيةَ". فهل انتقادُ السعوديةِ هو "دفاعٌ عن المقدساتِ"، أم هو نفاقٌ جغرافيٌّ؟

وفقًا لتقريرِ "اليونيسف" 2023: نسبةُ عمالةِ الأطفالِ في مصرَ 7%، وفي الجزائرَ 5%، بينما في السعوديةِ 1.2%. السعوديةُ تُصنَّفُ كـ"أكثرِ دولةٍ آمنةٍ" عالميًّا (مؤشرُ السلامِ العالميِّ 2023)، بينما الجزائرُ تحتلُّ المرتبةَ 103! حسبُ "هيئةِ الترفيهِ السعوديةِ"، 78% من زوارِ موسمِ الرياضِ هم عائلاتٌ، و93% من الفعالياتِ خاليةٌ من المخالفاتِ الأخلاقيةِ. فأيُّ "خطرٍ" هذا الذي يَتحدثون عنه؟ أم أنَّ الخطرَ الحقيقيَّ هو أن تُثبِتَ السعوديةُ أنَّ الترفيهَ يَتعايشُ مع المقدساتِ؟

أختمُ بقصةٍ من وَحيِ "المتفائل": سألني صديقٌ مصريٌّ: "كيف تَجمعون بين الحرمينِ والرقصِ؟"، فأجبته: "نحنُ نُقدِّسُ اللهَ، لا الحجارةَ! أما أنتم، فتُقدِّسونَ الحجارةَ في مكةَ، وتَنسونَ اللهَ في شوارعِكم!". فيا مَن تَتخفَّونَ وراءَ "حمايةِ المقدساتِ"، تذكروا قولَ اللهِ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات:13). فالتقوى ليستْ خطَّ طولٍ تُصلِّي عليه، بل ضميرٌ يَرقصُ على إيقاعِ النزاهةِ!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي