قصة: سعودي في مصر!

أطياف النيل المُتعبة: يوميات سعود الخريّف

في مطار القاهرة الدولي، حيث تتعلق الروائح العفنة على مكيفات الهواء كأشباح معتادة، وقف سعود الخريّف بين طابورين: طابور للذين يدفعون، وآخر للذين ينتظرون أن تُشفى كرامتهم من مرض مزمن. نظر إليه موظف الجوازات كصياد يشمّ رائحة دم طازج:
"أهلاً يا باشا… ممكن نُسرّع المعاملة؟"
لم يفهم سعود في البداية، حتى أشار الموظف بإبهامه على جوازه كأنه يوقّع على عقد إذلال. أخرج عشرة دولارات من محفظة كانت هدية من أبيه، فانفتح الباب كالسحر.

في التاكسي العتيق، حيث يزيّن مقعد الراكب الأمامي قصاصة جريدة بعنوان "مصر تتصدر السياحة العالمية", سأل السائق:
— "من أين أنت؟"
— "من السعودية".
ضحك السائق كمن يعرف سرًا:
"آه… بلد النفط والستائر المغلقة! عندكم أموال، لكنكم متخلفون… انظر إلى مصرنا الحبيبة! حرية… فنون… حضارة!"
نظر سعود من النافذة: طفل بلا حذاء يغسل زجاج سيارة فارهة، رجل يتبول على جدار مكتوب عليه "مصر أم الدنيا".

في الفندق الفاخر، حيث تخبئ الجدران السميكة عويل الفقراء، سأله المدير:
"هل تريد فتاة تزين ليلتك؟"
صُعق سعود، فتذكر أمه وهي تعلّمه أن العفّة ليست خيارًا، بل هوية. في المطعم، رأى ضابطًا كبيرًا يحتسي الويسكي مع سيدة ليست زوجته، يشاهد نشرة الأخبار التي تبث خطابًا للرئيس عن "القيم الأصيلة".

زار صديقًا مصريًا من أيام الدراسة، عادل، الذي يعيش في غرفة بسقف يقطر ماءً في الشتاء. قال عادل وهو يشير إلى هاتف سعود الفاخر:
"أنتم أغنياء… لكن شعبكم مسجون في الماضي! انظروا إلينا… عندنا مسلسلات رمضان تحرر العقول!"
همّ سعود بالرد، لكن صرخات جارة تطلب النجدة من زوجها السكير اخترقت الجدار. سأل:
— "ألا تتدخل؟"
أجابه عادل ببرود:
"هنا… الحياة للحي فقط".

في رحلة إلى الأهرامات، ابتاع سعود قلادة فرعونية مزيفة. حلف البائع بالله أنها أصلية، ثم همس:
"أعرف أنها ليست كذلك… لكننا نأكل من أكاذيب الماضي".
على ضفاف النيل، رأى مياهًا سوداء تبتلع قوارير البيرة وأحلام العشاق. سأل مرشدًا سياحيًا:
— "أليس النيل مصدر الحياة؟"
ضحك الرجل وأجاب:
"بل مصدر الموت… لكننا نسميه حياة كي لا ننتحر".

في شارع المعز، حيث يعيش ألف طفل بين شقوق التاريخ، اقترب منه رجل بثياب رثة:
"يا أخي السعودي… بلادكم يجب أن تتطور! افتحوا الخمارات كما فعلنا… اتركوا النسوة يرقصن في الميادين!"
نظر سعود إلى الرجل الذي ينام على كرتونة مكتوب عليها "أحلام للبيع", فسأله:
— "وهل صرتم سعداء بعد كل هذا التطور؟"
صمت الرجل، ثم قال:
"السعادة للحمقى… أما الأذكياء، فيكتفون بالخبز الفاسد".

على متن الطائرة إلى الرياض، كتب سعود في دفتره:
"الفساد ليس رشوة في المطار… ولا قذارة في الشوارع. الفساد أن تبيع روحك ثم تلقي اللوم على شمس الصحراء. التنمية ليست تقليد الغرباء… بل هي أن تزرع في أرضك شجرة لا تسرق ظلها".

الآن، وهو يشاهد من شباك غرفته في الرياض أطفال الجيران يلعبون بأمان، تذكّر تلك النصيحة المصرية: "تطوّروا!"، فضحك بحزن:
"أيها الحمقى… نحن نصلح طائراتنا بينما أنتم تبيعون مقاعد النجاة على Titanicكم الجميلة!"

هكذا يعيش سعود، حاملاً في قلبه مصرين: مصر الفراعنة التي ماتت، ومصر النصائح التي ترفض أن تُولد. ويعلم أن وطنه ليس مثاليًا… لكنه الوحيد الذي يستحق أن يصلحه أبناؤه، لا نصائح من يبيعون أطلالهم كـ"نموذج للتحرر".

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي