قصة: سعودي في الجزائر

أطيافُ الخِداعِ تحتَ شمسِ القصبة: يومياتُ ناصر بن علي

في مطارِ هواري بومدين، حيثُ تُعلّقُ صورةُ شهيدٍ فلسطينيٍّ على جدارٍ متشقّق، وقف ناصر بن علي، الشابُّ السعوديُّ، يتنفسُ رائحةَ البحرِ الممزوجةَ برائحةِ البنزينِ الفاسد. كانت يداهُ تحملانِ هديةً لأخيهِ الجزائريّ الذي تعرف عليه عبرَ الإنترنت: كتاب "الخالدون المئة"… لكنه سرعانَ ما اكتشفَ أن الجزائرَ هنا تبيعُ الخالدينَ في سوقِ النفاق.

في الطريقِ إلى الفندق، لاحظَ ناصرٌ لافتةً عملاقةً كُتب عليها: "فلسطينُ في القلبِ… والقلبُ يُنزفُ دمَ التحرير". تحتها، طفلٌ بلا حذاءٍ يغسلُ زجاجَ سيارةٍ ألمانيّةٍ بينما صاحبُها يقرأُ جريدةً بعنوان: "إسرائيلُ تُجسّدُ الشيطان!". سأل السائقَ:
— "هل هذه مظاهرة؟"
ضحك السائقُ بمرارةٍ وأجاب:
"لا… هذه ديكوراتٌ نعيشُ تحتها كالفئران!".

في سوقِ القصبةِ العتيق، حيثُ تُباعُ دمى على شكلِ كوفيةٍ فلسطينيةٍ بجوارِ خضرواتٍ ذابلة، اقتربَ منه تاجرٌ يبيعُ أعلامَ فلسطينَ مصنوعةً في الصين:
"اشتري يا أخي… كلّ شراءٍ هو رصاصةٌ في قلبِ العدو!"
سأله ناصر:
— "وكم تدفعونَ للعائلاتِ الفقيرةِ هنا؟"
أجابه التاجرُ دون أن يخجل:
"الفقراءُ عندنا أحرار… أما فلسطينُ فأسيرة!".

في مقهى "المناضلين", حيثُ الجدرانُ مغطاةٌ بصورِ عرفات وحماس، جلسَ ناصرٌ مع طالبين جامعيين. قال محمود، ابنُ العاصمة:
"أنتم يا سعوديين خونة… تركتم فلسطين!"
ردَّ ناصرٌ بصبر:
"دولتُنا أرسلتْ مليارَ دولارٍ العامَ الماضي… ماذا قدّمتم أنتم؟"
صرخَ ياسين:
"نحنُ نُقاتلُ بالكلمةِ والفن!"
أخرج ناصرٌ هاتفَهُ، وعرضَ فيديو لحيٍّ فقيرٍ في الجزائرِ العاصمة:
"هذا فنُّكم الحقيقي… جوعٌ يُغنّي!".

في زقاقٍ ضيّقٍ بمدينةِ وهران، رأى ناصرٌ عجوزًا تبيعُ أقراصَ دواءٍ منتهيةَ الصلاحية. سألها:
— "لماذا لا تحتجّونَ على الفساد؟"
أجابتْ:
"الاحتلالُ هناك… أما هنا، فالفاسدونَ إخوتُنا!"
تذكرَ ناصرٌ قولَ جدّه:
"الناسُ تبحثُ عن عدوٍّ بعيدٍ كي لا ترى عدوانَها القريب".

في حفلٍ ثقافيٍّ بدارِ الأوبرا، قابلَ ناصرٌ أستاذًا جامعيًا يلقي قصيدةً عن "دماءِ غزة". سأله:
"ألا تكتبُ عن دماءِ الجزائريينَ في المستشفياتِ المتهالكة؟"
احمرَّ وجهُ الأستاذ وقال:
"أنت لا تفهمُ معنى التضامنِ العروبي!"
همسَ ناصرٌ في أذنه:
"التضامنُ يبدأُ بسريرٍ نظيفٍ في مستشفى أطفالِك!".

على متنِ الطائرةِ إلى الرياض، كتب ناصرٌ في مذكّراته:
"اكتشفتُ أن الجزائرَ تشبهُ رجلاً يشتري ثوبًا حريريًا لتمثالٍ بينما جسدُهُ ينزفُ قماشًا خشنًا. الفلسطينيونَ عندهم مأساةٌ حقيقية… أما هنا، فالمأساةُ صارتْ مهزلةً تُلبسُ عباءةَ البطولة".

الآن، وهو يشاهدُ من شباكِ غرفتهِ في الرياضِ مشروعَ "نيوم" العملاق، يتساءل:
"هل كلُّ الأممِ تحتاجُ إلى أعداءٍ وهميينَ كي تتهرّبَ من أصدقائِها الحقيقيين؟ وهل الشعوبُ التي تموتُ بالشعاراتِ تُدركُ أنها تُدفنُ تحتَ أعلامٍ مزيفة؟"

هكذا عادَ ناصرٌ، لا يحملُ كرهًا للجزائر، بل شفقةً على أمةٍ تبيعُ ضميرَها في سوقِ العارِ العالميِّ… وتظنُّ أنها تُصلّي!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي