المزايدة الانتقائية: كيف يُخوّن بعض المصريين السعودية بينما يتناسون واقعهم؟

المزايدة الانتقائية: كيف يُخوّن بعض المصريين السعودية بينما يتناسون واقعهم؟

إذا كان للنفاق السياسي أبجديات، فإن بعض المصريين قد أتقنوا فنَّ التناقض حتى صار جزءًا من ثقافتهم اليومية. فهم يستطيعون أن يكونوا "ناصريين" في الصباح، و"إخوانيين" في المساء، و"محايدين" عند الضرورة! لكن عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية، يتحوّلون فجأة إلى قضاة يصدرون الأحكام، وأول متهم دائمًا هو السعودية!

على مدار السنوات الماضية، أصبحت مهاجمة السعودية "ترندًا" ثابتًا في الأوساط المصرية، ليس بناءً على منطق أو حقائق، ولكن وفق مزاج عام تغذّيه عقدة التفوق التاريخي، وكأن مصر تملك تفويضًا خاصًا لتقييم مواقف الجميع، بينما يتم تحصين مواقفها الخاصة من أي نقد. في كل مرة تشتعل الأوضاع في فلسطين، يخرج بعض المصريين ليصرخوا: "السعودية باعت القضية!"، "السعوديون يرقصون بينما تُقصف غزة!"، وكأن المملكة وحدها تتحمل مسؤولية تحرير الأقصى، بينما مصر تقف في الخلفية، تلعب دور المراقب البريء الذي لا يحق لأحد مساءلته!

الغريب في الأمر، أن هذه الأصوات تتجاهل تمامًا مواقف حكومتها، التي تتبنى نفس السياسات التي تتبناها السعودية! فمصر لديها اتفاقية "كامب ديفيد" التي جعلت العلاقات مع إسرائيل رسمية منذ عقود، وهي التي تدير معبر رفح الحدودي، وهي التي ترعى التفاهمات الأمنية بين حماس وإسرائيل، ورغم ذلك، لا نسمع أحدًا يهاجمها بالحدة نفسها التي يُهاجمون بها السعودية!

خذ مثالًا على ذلك الإعلامي المصري عمرو أديب، الذي في إحدى حلقاته قال مستنكرًا: "موسم الرياض شغال، بينما غزة تُقصف!"، وكأن حفلات الترفيه في السعودية هي السبب في استمرار الاحتلال! لكن في اليوم التالي، كان يروّج لحفلات ومهرجانات تقام في القاهرة، ولم يجد في ذلك أي تناقض! فعندما تكون الفعالية سعودية، فهي خيانة، وعندما تكون مصرية، فهي "فن وثقافة"!

أما الإعلامية لميس الحديدي، فقد خرجت ذات يوم تتساءل بنبرة متهكمة: "أين السعودية مما يحدث في غزة؟"، وكأن مصر أرسلت جيوشها لتحرير الأقصى بينما السعوديون مشغولون بالموسيقى! ثم بعد ذلك بأيام، أجرت لقاءً تمجّد فيه "دور مصر التاريخي في تحقيق السلام"، دون أن تُشير إلى أن هذا "السلام" هو نفسه الذي يمنع أي تحرك عسكري لصالح فلسطين!

المشكلة ليست في النقد، ولكن في الانتقائية. فمن يهاجم السعودية على موقفها، عليه أن يكون أول المنتقدين لحكومته، لكن الواقع أن من يصرخون ضد السعودية، هم أنفسهم من يُصفّقون لاتفاقيات الغاز بين مصر وإسرائيل، ويبرّرون التعاون الأمني، ويُطالبون بعدم "التهوّر" في التعامل مع الملف الفلسطيني!

حتى على مستوى الشارع، تجد هذا التناقض بوضوح. فبينما يهاجم بعض المصريين السعودية بحجة أنها "لم تفعل شيئًا لفلسطين"، نجدهم أنفسهم يتعاملون مع الإسرائيليين يوميًا في سيناء، ويسمحون للسياح الإسرائيليين بالدخول دون أي حساسية، ويقبلون بوجود سفارة إسرائيلية في قلب القاهرة، ثم يعودون ليُلقوا محاضرات عن "الخيانة"!

ولعل أكبر مفارقة في هذا المشهد، أن بعض المصريين يتحدثون عن ضرورة مقاطعة السعودية بسبب موقفها من فلسطين، بينما تجدهم في الوقت نفسه يصطفون أمام مطاعم "ماكدونالدز" و"ستاربكس"، ويستخدمون منتجات أمريكية وإسرائيلية دون أدنى إحساس بالتناقض! فالخيانة عندهم ليست في شراء الغاز من إسرائيل، أو في توقيع الاتفاقيات الأمنية، بل في إقامة حفلة في الرياض!

أما على مواقع التواصل، فتجد أن الهجوم على السعودية غالبًا ما يأتي من حسابات تدّعي البطولة الزائفة. شخص يجلس في مقهى في القاهرة، يشرب القهوة التركية (التي تدعم إسرائيل تجاريًا!)، ويدخن سجائر أمريكية، ويستخدم هاتفًا مصنوعًا في دولة تطبّع مع إسرائيل، لكنه يكتب بحماسة: "السعودية باعت القضية!".

وبينما كان هؤلاء يصرخون عن "موسم الرياض"، كانت الحكومة المصرية تُشرف على صفقات اقتصادية جديدة مع إسرائيل، وكانت التفاهمات الأمنية في سيناء مستمرة، ولم يُسمع لأيٍّ من هؤلاء صوت. لأن القضية ليست فلسطين، بل هي عقدة مستمرة تجاه السعودية، تزداد كلما زاد نفوذ المملكة، أو كلما حققت نجاحًا يلفت الأنظار.

والسؤال الأخير لهؤلاء: إذا كنتم فعلاً تعتبرون الترفيه "خيانة"، فلماذا لا توقفون حفلاتكم وأفراحكم؟ وإذا كنتم تعتبرون كل من لم يتحرك عسكريًا ضد إسرائيل "متخاذلًا"، فلماذا لم تُحركوا أنتم جيشكم منذ عقود؟ أم أن البطولة تقتصر فقط على تويتر، والتضحية يجب أن تكون من الآخرين؟

الحقائق واضحة: السعودية ليست مسؤولة عن فلسطين وحدها، ومن يطالبها بفعل شيء، عليه أن يبدأ بنفسه. أما المتاجرة بالشعارات، فلن تُحرر القدس، ولن تُغيّر الواقع، لكنها فقط ستكشف المزيد من الازدواجية التي لم تعد تنطلي على أحد!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي