قصه: سعودي في الجزائر ٢

تراتيلُ الثورةِ في سوقِ النخاسة: يومياتُ ناصر بن علي

في مطارِ هواري بومدين، حيثُ يَحرسُ جدارَ الصالةِ شعارٌ باهتٌ: "الجزائرُ أرضُ الأحرار"، وقفَ ناصرُ بن علي، الشابُّ السعوديُّ، يتنفسُ رائحةَ البحرِ ممزوجةً بنكهةِ الرطوبةِ والإهمال. حمل حقيبتهُ بإحكامٍ، وكأنّهُ يحضنُ شيئًا يخشى عليهِ من الضياعِ في زحامِ الشعارات. كانَ قد قرأ عن "بلادِ المليونِ شهيد"، لكنّه ما إن خرجَ إلى الشارعِ حتى اكتشفَ أنَّ الجزائرَ التي في الكتبِ قد ماتت… والجزائرَ التي أمامهُ لم تُولد بعد.

على الطريقِ إلى الفندق، لفتَ انتباههُ تمثالٌ ضخمٌ لجنديٍّ يحملُ بندقية، وتحتَهُ لوحةٌ كتبَ عليها: "المجدُ للشهداءِ الذين حرّروا الوطن"، لكنّ البناياتِ المتداعيةَ حولهُ وأكوامَ القمامةِ المتناثرةَ في الشوارعِ جعلتْهُ يتساءل: أيُّ وطنٍ هذا الذي تحرّر؟ سألَ السائقَ:
— "كيفَ هي الحياةُ هنا؟"
ضحكَ الرجلُ مُرًّا، وأجابَ وهو يغيرُ الترددَ الإذاعيَّ بحثًا عن موسيقى أقلَّ ضجيجًا من واقعِه:
"نحنُ أحرارٌ… لكنّ الجوعَ أيضًا حرٌّ بيننا!".

في سوقِ القصبةِ القديم، حيثُ الممراتُ الضيّقةُ تفوحُ برائحةِ التاريخِ والعرقِ والوعودِ المكسورة، اقتربَ منهُ شابٌّ يحملُ مناديلَ ورقيّةً يبيعُها للمارةِ، وعلى قميصِه المهترئِ كُتبَ: "تحيا الجزائر". ناولهُ ناصرٌ بعضَ النقود، فسألهُ الشابُّ بابتسامةٍ ساخرةٍ:
"هل تُريدُ أن أُغنّي لكَ النشيدَ الوطنيَّ مجانًا؟".

في مقهى شعبيٍّ، جلسَ ناصرٌ مع مجموعةِ شبّانٍ جامعيينَ يتجادلونَ حول "النهضةِ العربيةِ الموعودة". قال أحدُهم، واسمهُ كريم:
"نحنُ أمةٌ مقاومة! نحنُ رمزُ الصمود!"
ردّ عليهِ ناصرٌ بابتسامةٍ هادئة:
"وما الذي صمدتم ضدهُ بالضبط؟ البطالةُ أم الفسادُ أم القمع؟"
صمتَ كريم، ثم أشعلَ سيجارتهُ وقالَ بعد زفرةٍ طويلةٍ:
"عندما تكونُ بلا عملٍ، بلا مستقبلٍ، بلا أملٍ… فإنَّ الصمودَ هو كلُّ ما تملك!".

في شارعٍ قريبٍ من جامعة الجزائر، وقفَ ناصرٌ أمامَ حائطٍ تغطيهِ عباراتُ التمرّدِ والرفضِ والشعاراتِ الجريئة. قرأ إحداها: "لا للاستبداد، لا للفقر، نعم للحرية!". كانت العباراتُ تبدو طازجةً، كأنّ كاتبها تركها قبلَ لحظات. التفتَ يبحثُ عنه، فرأى على الطرفِ الآخرِ من الشارعِ شرطياً يدخّنُ بلا مبالاةٍ، ورجلاً مسنًّا يبحثُ في القمامةِ عن بقايا طعامٍ. ابتسمَ بمرارةٍ وسألَ نفسه: "أيُّهما كتبَ تلكَ الشعارات… الجائعُ أم الشرطيُّ؟"

في زيارةٍ لبيتِ صديقٍ جزائريٍّ تعرّف عليهِ عبر الإنترنت، وجدَ المنزلَ بلا كهرباء، بينما التلفازُ يعملُ على بطاريةِ سيارةٍ قديمة. سألَ صديقهُ سعيدًا:
— "كيفَ تشاهدونَ الأخبارَ هنا؟"
ضحكَ سعيدٌ وقالَ وهو ينقرُ على شاشةِ هاتفه:
"الأخبارُ كالأحلامِ… جميلةٌ ما دمتَ لا تعيشُ فيها!"

في اليومِ الأخيرِ، قرّرَ ناصرُ زيارةَ متحفِ الثورة، حيثُ الأسلحةُ القديمةُ، والأعلامُ الممزقةُ، وصورُ الشهداءِ الذين ماتوا لأجلِ وطنٍ لا يعرفهم الآن. وقفَ أمامَ صورةِ بطلٍ جزائريٍّ شهيرٍ، قرأَ سيرتَهُ وتمعّنَ في ملامحِه الحادة. بجوارِه، شابٌّ يحملُ مكنسةً وينظّفُ أرضيةَ المتحفِ اللامعةِ سألهُ بلا تفكير:
— "هل تُحبُّ الجزائر؟"
ترددَ ناصرٌ لحظةً، ثم قالَ وهو ينظرُ إلى صورةِ الشهيدِ:
"أحبُّها كما كانت… أما كما هي الآن، فأخشى أني لا أعرفُها".

على متنِ الطائرةِ إلى الرياض، كتبَ ناصرٌ في مذكّراته:
"في الجزائرِ، يبيعونَ الثورةَ في علبِ السجائرِ، والشعاراتِ على الأكوابِ، والصمودَ في قنواتِ التلفزيون. لكنّ الحقيقةَ في الشوارعِ، في العيونِ المُطفأةِ، في الأحلامِ التي عُلّقتْ على حبلِ غسيلٍ لم يجفَّ منذُ الاستقلال".

الآن، وهو يشاهدُ من شباكِ غرفتهِ في الرياضِ عمّالَ البناءِ يشيدونَ ناطحةَ سحابٍ جديدة، يتساءل:
"لماذا تبقى بعضُ الشعوبِ أسرى الماضي، بينما يهربُ غيرُها نحوَ المستقبل؟ هل يحتاجُ الجميعُ إلى استعمارٍ جديدٍ كي يجدوا سببًا للنهوض؟ أم أنّ بعضَ الشعوبِ تحبُّ قيودَها، لأنها تخشى الحريةَ أكثرَ مما تخشى الظلم؟"

هكذا عادَ ناصر، بلا ضغينةٍ، بلا غضبٍ… فقط بشعورٍ ثقيلٍ بأنّ الجزائرَ ليست أرضَ الأحرارِ، بل أرضَ الذينَ يحبّونَ أن يصدقوا ذلك.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي