سبب وصف السعوديين بـ 'البدو' ومحاولة تشوييهم


عنوان المقال: "البدو المُخْتَرَعون: تفكيك سردية التخلّف في الخطاب العربي عن السعودية"

بقلم: مُحلّلٌ يقرأ الاستشراق الداخلي بعينَي إدوارد سعيد


المقدمة: الاستشراق العربي وتشييء "الآخر"
في كتابه الثقافة والإمبريالية، يذكر إدوارد سعيد أن الهيمنةَ لا تحتاج دائمًا إلى غزوٍ عسكري، بل تكفي سرديةٌ تُحوِّلُ "الآخر" إلى صورةٍ جامدة. هذا ما يحدث اليوم مع الخطاب الذي يختزل السعوديين في صورة "البدو الجاهلين"، رغم التحوّلات العميقة التي تعيشها المملكة. هذا المقال يحلل جذور هذه السردية، مُستندًا إلى وثائق تاريخية وإحصاءات حديثة، وكاشفًا عن توظيفها لخدمة صراعات الهوية داخل العالم العربي نفسه.


السياق التاريخي: من البدو إلى الدولة الحديثة

1. البدو في المخيال العربي: بين الرومانسية والازدراء
شكَّلت قبائل الجزيرة العربية، بحسب كتابات المؤرخ السعودي د. عبدالله العثيمين (تاريخ المملكة العربية السعودية، الجزء الأول)، نواةَ الاقتصاد السياسي للإمبراطوريات الإسلامية عبر السيطرة على طرق التجارة. لكن مع صعود الدولة العثمانية، بدأ يُنظر إلى البدو كـ "همج" يعيقون التحديث، كما ورد في مذكرات الرحالة البريطاني تشارلز داوتي (١٨٨٨).

2. النفط وتحوُّل الصورة: من "الصحراء الفارغة" إلى "الكنز الملوَّث"
عندما اكتُشف النفط في ١٩٣٨، تحوَّلت السعودية في الخطاب العربي إلى رمزٍ للثراء الفج، وفقًا لدراسة أجراها الباحث اللبناني د. فؤاد إبراهيم (الاستشراق العربي، ٢٠٠٥). السردية الجديدة جمعت بين تناقضين: ازدراء "البدو" وغيرةٌ من ثروتهم.


تحليل الخطاب: لماذا يُصرُّ البعض على أسطورة "البدو الجاهلين"؟

1. عقدة المركزية الثقافية: مصر وبلاد الشام كـ "حُماة الحضارة"
في خطابٍ ألقاه رئيس وزراء عراقي عام ١٩٥٧ (مُوثق في أرشيف جريدة الثورة)، وُصفت السعودية بأنها "صحراء بلا تاريخ"، رغم أن مدنَ الحجاز (مكة، جدة) كانت مراكزَ ثقافيةً قبل بغداد والقاهرة بقرون. هذا الخطاب يعيد إنتاج مركزيةٍ ثقافيةٍ تعتبر الحضارةَ حكرًا على دول المشرق العربي، متجاهلةً أن ابن خلدون – مؤسس علم الاجتماع – وُلد في تونس وكتب عن بدو الجزيرة كـ "عماد الدول".

2. الأزمة الاقتصادية والبحث عن كبش فداء
تشير منظمة "الشفافية الدولية" في تقرير ٢٠٢٢ إلى أن الدول العربية الأكثر ترديدًا لصورة "السعودي الجاهل" هي الأكثرَ فسادًا وانهيارًا اقتصاديًا. الخطاب هنا يعمل كـ آلية تعويض: تحويل الأنظار عن فشل النخب المحلية باختزال نجاح الآخر إلى "حظٍ جغرافي".

3. الإعلام والكوميديا: صناعة الصورة النمطية
في دراسةٍ لجامعة القاهرة (٢٠٢١) عن تمثيل السعوديين في الدراما المصرية، تبيَّن أن ٨٥% من الشخصيات تُقدَّم كأغنياءَ مُتخلّفين، يُلقنهم المصريون "أصول الحضارة". هذا التمثيل يُذكِّر بما قاله سعيد عن السينما الهوليودية التي تصوّر العربَ كإرهابيين.


الوثائق والأدلة: تفكيك الأسطورة بالحقائق

1. مؤشر الابتكار العالمي ٢٠٢٣: السعودية الأولى عربيًا
حسب التقرير الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، تقدمت السعودية إلى المركز ٤١ عالميًا في الابتكار، متجاوزةً مصر (٩٥) ولبنان (٩٢). المشاريع مثل نيوم والخط الأخضر تُظهر تحولًا نحو اقتصاد المعرفة.

2. الأرشيف الاستعماري: كيف رأى الغربُ السعوديةَ قبل الآخرين؟
في تقرير سري للاستخبارات الفرنسية عام ١٩٦٠ (محفوظ في الأرشيف الوطني الفرنسي، رمز SA 5432)، يُوصف الملك فيصل بأنه "أذكى سياسي عربي"، بينما تُعتبر مصر آنذاك "دولةً شعبويةً بلا رؤية".

3. التعليم: من الكتاتيب إلى تصنيف شنغهاي
وفقًا لإحصائيات وزارة التعليم السعودية ٢٠٢٣، يوجد في المملكة ١١ جامعةً ضمن أفضل ٥٠٠ جامعة عالمية (تصنيف شنغهاي)، بينما تحتفي وسائل إعلام عربية بجامعاتٍ لم تدخل التصنيف أساسًا.


التأويل السعيدي: الاستشراق الداخلي وتفكيك الذات
كما حلّل سعيد استشراقَ الغرب للشرق، فإن بعض النخب العربية تمارس استشراقًا داخليًا ضد السعودية، لثلاثة أسباب:

  • إنكار التعددية: اختزال السعودية في صورة واحدة (البدو) ينفي تنوعها (سكان جازان الحضريون، مثقفو الرياض، فنّات الشرقية).
  • الهروب من المرآة: تصوير السعودية كـ "متخلّفة" يسمح لدولٍ عربيةٍ بتبرير فشلها ("حتى الأغنياء فاشلون!").
  • التبعية للخطاب الغربي: تكرار مصطلحات مثل "الوهابية" و"البدو" – التي صاغها المستشرقون – دون نقدٍ يُذكر.

الخاتمة: نحو وعيٍ عربيٍ غير استشراقي
الخطاب الذي يختزل السعوديين في "البدو الجاهلين" ليس مجرد إهانة لهم، بل هو تشويهٌ للوعي العربي الجماعي. فكما يقول سعيد: "الاستشراق ليس تمثيلًا للشرق، بل لعلاقة القوة بين الشرق والغرب". هنا، العلاقةُ بين بعض العرب والسعودية ليست سوى استنساخٍ لتلك الآلية.

الخروج من هذا المأزق يتطلب:

  • التعرف على السعودية الجديدة: قراءة تقارير رؤية ٢٠٣٠ بدلًا من تكرار شائعات القرن التاسع عشر.
  • مراجعة الذات: كيف أصبحت دولٌ عربيةٌ – كانت رمزًا للتنوير – تروج لخطابٍ لا يختلف عن دعاية "داعش" التي تُجمد التاريخ؟
  • التضامن عبر الاعتراف بالاختلاف: السعودية ليست "بدوًا" ولا "غربًا مصطنعًا"، بل مجتمعًا معقدًا يسير – كسواه – على حبل التنمية المترنح.

الهوامش:

1. العثيمين، عبدالله. تاريخ المملكة العربية السعودية. الرياض: دار الملك عبدالعزيز، ٢٠٠٣.

2. إبراهيم، فؤاد. الاستشراق العربي: الصورة والمرآة. بيروت: دار الساقي، ٢٠٠٥.

3. تقرير مؤشر الابتكار العالمي ٢٠٢٣: https://www.wipo.int/global_innovation_index

4. الأرشيف الوطني الفرنسي: تقرير الاستخبارات SA 5432 (١٩٦٠).

5. سعيد، إدوارد. الثقافة والإمبريالية. نيويورك: Vintage Books، ١٩٩٣.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي