دروس من الحوثيين في اليمن


أيها السادة والسيدات، لو أردتم يوماً أن تتعلموا فنَّ إدارة الفوضى ببراعة، أو أن تُحيوا ذكرى أسلافكم عبر تدمير الحاضر، فما عليكم إلا أن تدرسوا حركة "أنصار الله" اليمنية، أو كما يُحبُّ العالم أن ينعتها: "الحوثيون". هؤلاء السادة قدموا للبشرية دروساً في الإصرار على الخطأ، والتفنُّن في تحويل الأزمات إلى ملاحم، والنجاح في جعل الحرب صنواً للوطنية.

الشعار المفضَّل لدى أصدقائنا الحوثيين هو "الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام". لاحظوا هنا براعة الصياغة: كلما زاد عدد الأعداء الذين تعلن الحرب عليهم، قلّت فرص أن يلاحظ أحد أنك تُحارب جيرانك قبل أعدائك! فالحوثي اليمني لا يملك صواريخ بعيدة المدى ليُهديها لإسرائيل، لكنه يملك قذائفَ هاون ليُهديها لمواطنيه. يا له من إبداع في إدارة الأولويات!

الحوثيون، كسائر العظماء، يعيشون في الماضي. فها هم يُحيون ذكرى "ثورتهم" ضد الظلم، تماماً كما فعل أسلافهم قبل ألف عام. الفرق الوحيد أن أسلافهم كانوا يحملون سيوفاً وخيولاً، أما اليوم فهم يحملون صواريخَ إيرانيةً وتصريحاتٍ نارية. التاريخ يُعيد نفسه، نعم، لكن هذه المرة مع تقنية أعلى ونتائج أكثر كارثية.

لا شيء يُضفي الشرعية على الحكم مثل جعل الشعب ينسى الجوع بالانشغال بالحرب. اليمن اليوم يعاني من أسوأ أزمة إنسانية في العالم، لكن الحوثيين حوّلوها إلى فرصة لتعليم الأطفال معنى "الجهاد" بدلاً من الرياضيات. "ماذا أفعل إذا سقطت قذيفة على بيتنا؟" أصبح سؤالاً في منهج العلوم! أما الزراعة فمُستبدَلة بدرس "كيف تصنع عبوات ناسفة من أدوات المطبخ".

الحوثي يعتقد أن الأرض ملكٌ له بمجرد أن يطأها بقدميه. فلو اقتضى الأمر، سيدمر المدارس والمستشفيات، لكنه لن يتنازل عن "حقه الإلهي" في الحكم. إنه يُقاتل من أجل "العدالة"، لكنه ينسى أن العدالة تحتاج إلى شعبٍ على قيد الحياة لتحقيقها.

ها هي الأمم المتحدة تُرسل قوافلَ غذائية، والحوثيون يستقبلونها بترحاب، شريطة أن يقتطعوا "نصيب المُجاهدين" منها. وهكذا يتحول الأرزُّ والدواء إلى عملة سياسية. الفقراء يموتون جوعاً، لكن الزعيم ينام قرير العين: فقد حقق "النصر" في معركة السيطرة على كيس الدقيق!

الحوثي لا يرى في السعودية أو أمريكا عدواً افتراضياً فحسب، بل يرى في كل يمني رافضاً لسيطرته خائناً وعميلاً. وهكذا، تتحول القبائل اليمنية إلى ساحات حرب، والأسر إلى خنادق. أما الشعار الرنان "الموت لأمريكا"، فيبدو كأنه غطاءٌ لمأساة محلية: "الموت لكل من يعترض طريقنا".

إذا أردت أن تُخلد اسمك في التاريخ، فما عليك إلا أن تتبع النموذج الحوثي:

1. ابدأ بثورة ضد الظلم، ثم اصنع ظلماً أفظع.

2. حوِّل الدين إلى سلاح، والشعب إلى وقود.

3. احتفِ بانتصاراتك الوهمية، بينما الوطن يتحول إلى خرابة.

تذكَّر دائماً: النصر الحقيقي ليس في إنهاء الحرب، بل في إدامتها حتى تُصبح جزءاً من الهوية. وهكذا، سيبقى الحوثيون أبطالاً في ملحمتهم المأساوية.. حتى لو كان الثمن يمنياً بلا يمن!

(ملاحظة: هذه السخرية ليست استهانة بمعاناة الشعب اليمني، بل محاولة لتسليط الضوء على عبثية الصراع من خلال قلم ساخر، على طريقة مارك توين الذي كان يُدين الظلم بالضحك المرير).

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي