المقاطعة الانتقائية: عندما تصبح الوطنية "مزاجية" حسب المنتج!

 

المقاطعة الانتقائية: عندما تصبح الوطنية "مزاجية" حسب المنتج!

إذا كانت المقاطعة سلاحًا، فإن بعض المصريين يستخدمونه كـطفلٍ يحمل مسدس ماء، يرشّ به هنا وهناك بلا وعي، ويشعر بعد ذلك بأنه أنجز معركةً بطولية! منذ بداية العدوان على غزة، تحوّلت مواقع التواصل المصرية إلى ساحةٍ للتخوين والمزايدات، وأصبحت مقاطعة المنتجات الغربية "موضةً" يتنافس عليها الجميع، ليس بدافع وطني حقيقي، بل لأنها ببساطة أصبحت وسيلةً لإثبات الذات في "السوشيال ميديا"!

لكن المفارقة العجيبة، أن المقاطعة في مصر ليست قائمةً على أي منطق، بل تُدار حسب المزاج والرغبة، وتُطبَّق بانتقائية مدهشة! فبينما يتم الهجوم على شركاتٍ معينة باعتبارها "داعمة لإسرائيل"، يتم تجاهل شركات أخرى تدعم إسرائيل بوضوح، لمجرد أن المنتجات لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة! والأغرب من ذلك، أن بعض المصريين يُهاجمون من يشرب قهوة "ستاربكس"، لكنهم في الوقت نفسه يدخّنون السجائر الأمريكية، ويستخدمون هواتف "آيفون"، بل ويعملون في شركات غربية تربح منها إسرائيل مباشرة!

خذ على سبيل المثال الهجوم الشرس على مطاعم الوجبات السريعة الأمريكية. خلال الأشهر الماضية، تحوّل "ماكدونالدز" و"كنتاكي" إلى رموز "الخيانة" في أعين المقاطعين، وأصبح كل من يشتري برجرًا متهمًا بـ"تمويل الاحتلال"! لكن في الوقت نفسه، لم يطالب أحد بإغلاق السفارة الإسرائيلية في القاهرة، ولم نرَ حملات تدعو الحكومة إلى قطع العلاقات الاقتصادية مع تل أبيب! فهل المشكلة في "ساندويتش"، أم أن هذه المقاطعة ليست سوى استعراض فارغ؟

الإعلامي عمرو أديب، الذي لا يفوّت فرصةً لمزايدة وطنية، خرج في إحدى حلقاته يصرخ: "المقاطعة سلاح مهم.. لا نريد أن نأكل من أموال تذهب إلى إسرائيل!". لكن في الحلقة نفسها، كان يروج للسياحة في مصر، التي تستقبل كل عام آلاف الزوار الإسرائيليين! فهل المقاطعة تنتهي عندما يتعلق الأمر بمصالح اقتصادية محلية؟ أم أنها مجرد شعارات فارغة تُرفع حين يكون الثمن بسيطًا؟

حتى على مستوى الشارع، ستجد التناقضات في كل زاوية. في الصباح، تجد شخصًا يُهاجم "بيبسي" على تويتر، وفي المساء، تجده يشربها مع العشاء! شخص آخر يكتب منشورًا حماسيًا عن ضرورة مقاطعة "نستله"، لكنه في اليوم التالي يشتري الشوكولاتة نفسها لأطفاله! أما بعض المشاهير، فقد قرروا الانضمام إلى "موضة المقاطعة"، فبدأوا في تسجيل فيديوهات تُهاجم الشركات الغربية، بينما يرتدون ملابس مستوردة، ويستخدمون أحدث الهواتف الذكية الأمريكية!

الحقيقة أن المقاطعة الحقيقية لا تكون بهذه العشوائية. إذا كان الهدف هو ضرب الاقتصاد الإسرائيلي، فيجب أن تكون الحملة شاملة ومدروسة، وليس مجرد حملة انتقائية تُركز على شركات معينة وتتجاهل الأخرى. فلا معنى لمقاطعة بعض المنتجات بينما تستمر مصر في استيراد الغاز من إسرائيل، ولا معنى لمقاطعة مطاعم الوجبات السريعة بينما تُباع المنتجات الإسرائيلية في الأسواق المصرية دون أي رقابة!

والأغرب من ذلك، أن بعض المصريين يُهاجمون السعودية بحجة أنها لم تُقاطع هذه الشركات، بينما في مصر نفسها، لا يوجد أي حظر رسمي على أي منتج غربي! فكيف يكون التخوين مسموحًا ضد السعودية، لكنه ممنوع ضد الحكومة المصرية التي تتبنى السياسة نفسها؟ أم أن الوطنية في مصر تُقاس بمعايير مزدوجة؟

الواقع أن المقاطعة بهذه الطريقة ليست سوى مسرحية هزلية، لأن الاقتصاد الإسرائيلي لا يعتمد على "بيبسي" أو "ماكدونالدز" بقدر ما يعتمد على التكنولوجيا والأسواق المالية، وهذه المجالات لم يمسّها أحد. فمن يشتري "آيفون" أو يستخدم "مايكروسوفت" أو يعمل في شركة تعتمد على التكنولوجيا الإسرائيلية، هو في الحقيقة يُساهم أكثر بكثير من شخص اشترى وجبة سريعة!

وإذا كان هناك من يريد مقاطعة حقيقية، فعليه أن يطالب حكومته بإجراءات فعلية، وليس مجرد نشر منشورات على فيسبوك لمهاجمة الناس العاديين. أما هذه المقاطعة العشوائية، فهي ليست سوى وسيلة جديدة للظهور بمظهر "المناضل الإلكتروني"، دون أن يكون لها أي تأثير حقيقي على أرض الواقع!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي