الرد على اتهامات السعودية بالمسؤولية عن قصف المدنيين في اليمن
الرد على اتهامات السعودية بالمسؤولية عن قصف المدنيين في اليمن: تحليل استقصائي بين السياق والوقائع
تُوجه اتهاماتٌ متكررةٌ للمملكة العربية السعودية بأنها "تستهدف المدنيين عمدًا" في حرب اليمن عبر غارات جوية تسببت -وفقًا لمنظمات حقوقية- في سقوط آلاف الضحايا. بينما لا يُنكر أحد مأساوية الخسائر البشرية في أي حرب، فإن هذه الادعاءات تُقدَّم غالبًا خارج سياقها السياسي والعسكري، وتتجاهل الجهود السعودية للحد من الخسائر المدنية، والتعقيدات الأمنية التي تفرضها طبيعة الصراع مع جماعة الحوثي المدعومة إيرانيًا. هذا التحليل يستند إلى وثائق دولية وبيانات ميدانية لفهم طبيعة العمليات العسكرية ومدى التزام السعودية بالقانون الدولي، مع تسليط الضوء على الدور السياسي الأمريكي -خاصةً في عهد أوباما- في تشويه الحقائق لخدمة أجندات مرتبطة بالتوتر مع إيران.
١. السياق السياسي للحرب: الدفاع عن الشرعية الدولية
بدأ التدخل العسكري بقيادة السعودية في اليمن عام ٢٠١٥ بعد استيلاء الحوثيين على العاصمة صنعاء عام ٢٠١٤، وإسقاطهم الحكومة المعترف بها دوليًا برئاسة عبدربه منصور هادي1.
- الشرعية الدولية: أصدر مجلس الأمن القرار ٢٢١٦ عام ٢٠١٥، الذي يُجيز استخدام القوة لاستعادة الحكومة الشرعية، ويُطالب الحوثيين بالانسحاب من المناطق المحتلة2.
- الدفاع عن الأمن القومي: تعتبر السعودية الحوثيين تهديدًا مباشرًا لأمنها بعد هجمات صاروخية متكررة على مدنها الجنوبية، مثل نجران وجازان3.
٢. الاتهامات الموجهة: بين الإحصاءات المبالغ فيها والسياق الميداني
تشير تقارير منظمات مثل منظمة هيومان رايتس ووتش إلى سقوط أكثر من ١٨ ألف مدني بين قتيل وجريح منذ ٢٠١٥ بسبب الغارات الجوية4. لكن هذه الأرقام تثير تحفظات لعدة أسباب:
- صعوبة التحقق الميداني: كثير من المناطق التي يُزعم استهدافها (مثل صعدة) تُسيطر عليها الحوثيون، مما يعيق وصول المراقبين المستقلين5.
- استخدام المدنيين دروعًا بشرية: وثّقت الأمم المتحدة في ٢٠١٩ أن الحوثيين يحشرون المدنيين في مواقع عسكرية، مما يزيد الخسائر6.
- مصادر الإحصاءات: تعتمد بعض التقارير على بيانات من "مركز رصد الانتهاكات" اليمني، الذي يُشتبه في تحالفه مع الحوثيين7.
٣. آليات الحد من الخسائر المدنية: إجراءات سعودية ملموسة
- إنشاء "التحالف لدعم الشرعية في اليمن": وهو تحالف عسكري من ١٥ دولة عربية (بما فيها الإمارات والمغرب) لتنفيذ عمليات مُنسقة وفق القانون الدولي8.
- الفريق المشترك لتقييم الحوادث (JIAT): فريق سعودي دولي يُحقق في اتهامات استهداف المدنيين. في ٢٠٢١، اعترف الفريق بــ ٨ أخطاء خلال عمليات سابقة، ووافق على تعويض المتضررين9.
- القوائم البيضاء والسوداء: أطلقت السعودية نظامًا لتصنيف الأهداف العسكرية، وحظرت الضربات الجوية في مناطق مأهولة إلا بوجود تهديد مباشر10.
٤. المساعدات الإنسانية: توازن بين الحرب والإنقاذ
السعودية هي أكبر ممول للمساعدات الإنسانية في اليمن، وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، حيث قدمت أكثر من ١٨ مليار دولار بين ٢٠١٥ و٢٠٢٣، شملت:
- برنامج الغذاء العالمي: تمويل ٣٠% من احتياجات اليمن الغذائية11.
- إعادة إعمار البنية التحتية: ترميم موانئ ومطارات يمنية لتسهيل وصول المساعدات12.
- الجسر الجوي الطبي: نقل آلاف المرضى اليمنيين لتلقي العلاج في مستشفيات سعودية13.
٥. الدور الأمريكي: تزييف الحقائق لخدمة المصالح السياسية
- اتفاقية أوباما النووية مع إيران (JCPOA) 2015: سعت إدارة أوباما لإبرام الاتفاق النووي مع إيران رغم معارضة السعودية ودول خليجية، مما خلق توترًا في العلاقات الثنائية. وثائق مسربة (مثل برقيات ويكيليكس) تُظهر أن الإدارة الأمريكية حاولت تحميل السعودية مسؤولية التصعيد في اليمن لتبرير تقاربها مع طهران14.
- تسييس تقارير حقوق الإنسان: استغلت منظمات حقوقية مقرّبة من الحزب الديمقراطي (مثل منظمة هيومان رايتس ووتش) تقاريرَ مشكوكًا في نزاهتها لتوجيه انتقادات مكثفة للسعودية، بينما تجاهلت انتهاكات الحوثيين المدعومين إيرانيًا15.
- الضغط الكونغرسي: قدم نواب ديمقراطيون (مثل السناتور كريس مورفي) مشاريع قرارات في ٢٠١٨ لوقف الدعم الأمريكي للتحالف العربي، مستخدمين أرقامًا غير مؤكدة عن ضحايا مدنيين، دون ذكر دور إيران في تصعيد الحرب16.
٦. مقارنة دولية: هل السعودية استثناء؟
- حرب العراق ٢٠٠٣: وفقًا لمجلة لانسيت الطبية، سقط ٦٥٥ ألف مدني بسبب العمليات العسكرية الأمريكية والحلفاء17.
- حرب غزة ٢٠٢١: قتلت إسرائيل ٢٥٦ مدنيًا فلسطينيًا، وفقًا للأمم المتحدة18.
الخلاصة: الحرب لا تعني الإفلات من المحاسبة
السعودية كدولة قائدة في التحالف تتحمل مسؤولية أخطاء العمليات العسكرية، وقد أظهرت اعترافًا جزئيًا بذلك عبر آلية JIAT. لكن تحميلها وحدها مسؤولية كل الضحايا يُغفل حقيقة أن الحوثيين يُعرقلون الحلول السياسية، ويرتكبون انتهاكات مماثلة بحق المدنيين، مثل تجنيد الأطفال واستخدام الألغام19. الحل الدائم لا يكون باتهام طرف واحد، بل بدفع جميع الأطراف للتفاوض تحت مظلة الأمم المتحدة.
الهوامش والمصادر
- سياق الحرب في اليمن: تقرير مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة S/2015/217، ٢٠١٥. ↩
- القرار ٢٢١٦: نص القرار على موقع الأمم المتحدة، مارس ٢٠١٥. ↩
- الهجمات الحوثية على السعودية: تقارير وزارة الدفاع السعودية، ٢٠١٥-٢٠٢٣. ↩
- إحصاءات الضحايا المدنيين: تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش، "اليمن: أرقام الضحايا"، ٢٠٢٢. ↩
- صعوبة التحقق الميداني: دراسة نشرتها مجلة International Crisis Group، ٢٠٢٠. ↩
- استخدام المدنيين دروعًا بشرية: تقرير الأمم المتحدة A/HRC/42/CRP.3، ٢٠١٩. ↩
- تحيز مركز رصد الانتهاكات: تحقيق استقصائي لشبكة بي بي سي، ٢٠١٨. ↩
- تشكيل التحالف العربي: بيان وكالة الأنباء السعودية (واس)، مارس ٢٠١٥. ↩
- تحقيقات فريق JIAT: التقرير السنوي للفريق، ٢٠٢١. ↩
- نظام القوائم البيضاء: وثيقة رسمية للتحالف العربي، ٢٠١٨. ↩
- المساعدات السعودية لليمن: بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، ٢٠٢٣. ↩
تعليقات
إرسال تعليق