قصة: سعودي يزور بلد عربي مجاور !!


ظلال النصيحة: رحلة خالد بن سليمان

في صباح بارد من صباحات الرياض، حيث تلامس أشعة الشمس الأولى قباب المساجد كأنها تطلب البركة قبل انطلاق اليوم، وقف خالد بن سليمان أمام مطار الملك خالد، يحمل حقيبة صغيرة وكتيب "كفاحي" لهتلر، الذي اشتراه من السوق السوداء بدافع الفضول، بينما كانت أمه تودعه بدموع تحاول إخفاءها خلف عباءتها السوداء. كان يسافر إلى "جمهورية الرماد"— اسم أطلقه على البلد المجاور بعد أن سمع قصصًا عن ثوراته الفاشلة وتناقضاته المعلنة.

عندما نزل خالد من الطائرة في عاصمة الجار الشرقي، فوجئ بأنفاس هواء حارقة ممزوجة برائحة القمامة المحترقة. الشوارع هناك تشبه جثة ممزقة تنهشها كلاب الفساد والفقر؛ سيارات الوزراء الفارهة تتجاوز أطفالًا حفاة الأقدام يبيعون علب سجائر مهرَّبة. في الفندق، سأل النادل:
— "أين المطعم الحلال القريب؟"
فأجاب بابتسامة سوداوية:
"كل شيء هنا حلال... إذا كان في جيبك دولارات حلال!".

في مقهى يُدعى "الثورة البيضاء", التقى خالد بشاب يدعى مصطفى، يرتدي قميصًا كتب عليه "حرية أو موت", بينما يرشف ويسكي مخالفًا كل مبادئ الشعار. قال مصطفى وهو يشير إلى شارع مزدحم:
"نحن بلد الحرية الحقيقي! هنا تستطيع أن تشتم الله والرئيس في جملة واحدة!"
سأله خالد:
— "ولماذا لا تستخدم حريتك لبناء مدرسة بدلًا من الشتم؟"
صمت مصطفى قليلًا، ثم قال:
"لأن الشعب يحب أن يسمع الشتيمة أكثر من الحل!".

زار خالد جامع "الرحمة العظمى", حيث خطب الإمام عن "زوال الظلم إذا رجع الناس إلى الدين". بعد الصلاة، رأى الإمام يغادر في سيارة مرسيدس مظللة الزجاج، فسأل أحد المصلين:
— "أليس هذا من الظلم؟"
أجابه الرجل بنبرة واثقة:
"الدنيا دار اختبار... والإمام يختبر إخلاصنا بقدرته على مقاومة إغراءات سيارته!".

في اليوم الأخير، زار خالد مقهى شعبيًّا، حيث تجمّع حوله رجال يعيشون على هامش الحياة:

معلم متقاعد قال: "اقتُلوا الملك واجعلوا بلدكم جمهورية مثلنا... هنا حتى الفقر حر!"

سيدة عجوز تُدعى أم محمد صرخت: "انزعوا الحجاب عن نسائكم... انظروا إلينا، نساؤنا يرقصن في الملاهي ولا يخافون الله!"

شاب ثائر همس في أذنه: "نحن أحرقنا دولتنا لنصنع فجرًا جديدًا... فاحرقوا دولتكم كي تتقدموا!"

عندما عاد خالد إلى الرياض، جلس في حديقة منزلهم، يحدّق في نخلة زرعها أبوه قبل أربعين عامًا. تذكّر وجه مصطفى الثائر المدمن، والإمام الفاسد، والعجوز التي تريد نزع الحجاب كي "تتقدموا". سأل نفسه:
"هل التقدم يعني أن نصبح نسخة من فشل الآخرين؟"

أدرك أن النصائح التي سمعها كانت كالسراب في صحراء اليأس: أناس يائسون يريدون للجميع أن يعانوا كي لا يشعروا بوحدتهم في المعاناة.

في الليل، كتب خالد في مذكراته:
"الوطن كالنخلة... لا يصلحه أن تطلب منه أن يصبح تفاحة لأن البعض يعتقد أن التفاح ألذ. التناقضات التي رأيتها هناك ليست أسبابًا لنقدهم، بل أدلة على أن كل شعب يعيش في جحيم اختياراته. سنصلح وطننا لا بأن نكون نسخة من أحد، بل بأن نزرع جذورنا في أرض الحقيقة... حتى لو كانت أرضًا قاسية".

هكذا عاد خالد من رحلته، لا يحمل إجابات، بل سؤالًا واحدًا يطارده:
كيف نمنع الوهم من أن يصير وطنًا؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي