خاطره: قطار التغيير في السعوديه
في الصحراء، حيث تُخبئ الرياح أسرارَ القرون تحت كثبانٍ لا تُحصى، يتعلَّم المرء أنَّ التغيير هو القانون الوحيد الذي لا ينقض. فالجبال تتحوَّل إلى رمال، والواحات تُولد من عطش الأرض، وحتى النجوم — تلك الشهود الأبديُّون — تموت كل ليلة لتُبعث من جديد. هنا، في مملكةٍ شهدت تحوُّلاتٍ تُشبه سحرَ الخوارزميِّين، رأيتُ كيف يتحوَّل الإنسان من حارسٍ للتابوت إلى رائدٍ للفضاء، وكيف تُولد الأفكار من رحم التناقضات، كأنَّ الحياة تُمسك بيدك وتهمس: "إمَّا أن تسبح مع التيار، أو تتحوَّل إلى حجرٍ في قاع النهر".
التشدد — في جوهره — ليس إيمانًا، بل خوفٌ من أن تُغيِّر الشمسُ مسارها. رأيتُ رجالًا كانوا يُحاكمون الظلَّ لأنَّه تجرَّأ على الحركة، ونساءً كنَّ يُعلِّمنَ بناتهنَّ أنَّ الأفق خطٌّ أحمر لا يُعبر. لكنَّ الشمس — أيها السادة — لا تُبالي بالحدود. جاءت رياحُ العولمة كسيلٍ جارفٍ يحمل معه أسئلةً لم تكن تُطرق أبوابنا من قبل: ماذا لو كان "الثابت" مجرَّد وهم؟ ماذا لو كان الإيمان الحقيقي هو القدرة على رؤية الله في مرايا مُتعددة؟ هنا، يتحوَّل المتشدِّد فجأةً إلى فيلسوفٍ يائس، يُدرك أنَّه كان يحمل صخرةً على ظهره ظنًّا منه أنَّها سماء. يقول نيتشه: "الحقيقة التي تُصبح عائقًا، ينبغي أن تُهدم". لكن كيف لهدمها دون أن تنهار الذات؟!
الحداثة ليست خيارًا، بل هي الفصول الأربعة التي تتدفَّق في عروق الكوكب. في المملكة، حيث تُلامس أطراف الماضي أجنحة المستقبل، رأيتُ هذا التناقضَ يلدُ تناقضًا أعظم: شابٌّ يقرأ "كليلة ودمنة" على آيباد، وعالم دينٍ يُناقش "الذكاء الاصطناعي" في خطبة الجمعة. هكذا يتحوَّل الصراع بين القديم والجديد إلى رقصةٍ كونية، كأنَّ ابن خلدون وستيف جوبز يجلسان على نفس المقهى، يتناقشان في "العصبية" و"الواي فاي".
ولكن، ماذا عن أولئك الذين رفضوا الركوب؟ إنَّهم يُشبهون مَن يحاولون إيقاف قطارٍ بيدين عاريتين. يقول جبران: "الحجر الذي يقف في طريق النهر لا يُوقفه، بل يُعلِّمه أن يغنِّي". لكنَّهم — للأسف — يصرخون بدلًا من أن يغنوا، ويحفرون قبورًا لأحلامهم بدلًا من أن يبنوا جسورًا.
الجهل ليس عدمَ المعرفة، بل إيمانًا وهميًّا بأنَّك تملكها كلها. أولئك الذين يرفضون التغيير يعيشون في متحفٍ من صنعهم: جدرانه مرايا تُعيد لهم صورهم بلا نهاية، وهواءه راكدٌ ككلامٍ مُكرَّر. العزلة هنا ليست اختيارًا، بل عقوبةً ذاتية. يقول كافكا: "السجن يبحث عن سجين"، وهؤلاء السجناء وقعوا في فخٍّ خطروه بأيديهم.
في المقابل، أولئك الذين فتحوا نوافذَهم للعالم — حتى لو دخلت مع الريح ذراتُ غبار — وجدوا أنَّ التغيير ليس خيانةً للماضي، بل إعادة اكتشافٍ له. كأنَّهم يقرأون كتابًا قديمًا بإضاءة جديدة، فيكتشفون فصولًا لم يلحظوها من قبل.
في النهاية، أيها الإنسان، لن تُحاسب على كمّ الثوابت التي حافظتَ عليها، بل على كمّ الجسور التي بنيتَها. التاريخ لا يكافئ المحافظين على الجمر، بل أولئك الذين استخدموه لإشعال مصابيح المستقبل.
السعودية — كصحرائها — تُعلِّمنا درسًا فلسفيًّا عظيمًا: الرمالُ لا تتغيَّر، لكنَّها تتحرَّك. والفرق بين الرملةِ التي تُدفنُ تحت الصخور، وتلك التي ترقص مع الريح، هو أنَّ الثانيةَ فهمت أنَّ البقاءَ للأكثر مرونةً، لا للأكثر صلابة.
كما قال رامبو: "الحياة حقيقية فقط حينَ نُغيِّرها". فماذا تنتظر؟ القطار يتحرَّك، والمحطَّة التالية قد تكون اسمك.
تعليقات
إرسال تعليق