اليمن: كيف دمرها الحوثي وكيف أنقذتها السعودية؟
اليمن: كيف دمرها الحوثي وكيف أنقذتها السعودية؟
إذا كان الدمار يُوزَّع بالمجان، فالحوثيون أول من يحصلون على امتياز التوزيع الحصري! بلدٌ كان يُسمّى قديمًا بـ"اليمن السعيد"، أصبح تحت حكمهم نموذجًا للسقوط في الهاوية. فبينما يتغنّى الحوثيون بشعارات المقاومة، يمارسون أبشع أنواع الاستبداد، وبينما يزعمون الدفاع عن الوطن، يبيعونه بالمزاد لمن يدفع أكثر. في المقابل، كانت السعودية، التي طالما اعتبرت استقرار اليمن جزءًا من أمنها القومي، تدرك أن سقوط اليمن في يد إيران عبر وكيلها الحوثي ليس مجرد أزمة داخلية، بل تهديد مباشر لمنطقة الخليج والعالم العربي ككل. وهكذا، وجدت المملكة نفسها في معركة لا تحتمل التراجع، حيث أصبح واجبها التاريخي هو إنقاذ اليمن من بين أنياب الميليشيات الطائفية.
في البداية، لم يكن الحوثيون أكثر من جماعة صغيرة تحمل فكرًا متطرفًا مستوردًا من إيران، لكنهم استغلّوا الفراغ السياسي الذي خلفته ثورات الربيع العربي في 2011، فتمددوا كخلايا سرطانية وسط جسد الدولة اليمنية. وما إن حلّ عام 2014، حتى اكتمل انقلابهم على الشرعية، باجتياحهم صنعاء وإسقاط الحكومة المنتخبة، في مشهد يُذكّر بـميلشيات القرون الوسطى التي تحتل المدن باسم "الحق الإلهي". كانت خطتهم واضحة: السيطرة على اليمن وتحويله إلى "حزب الله" جديد في الجزيرة العربية، ليكون ذراعًا عسكريًا لإيران يهدد السعودية ودول الخليج. لكن السعودية لم تكن غافلة عن هذا المخطط، فكان لا بد من التدخل قبل أن يصبح الحوثي كيانًا أمرًا واقعًا.
بدأت السعودية عملية "عاصفة الحزم" عام 2015، ليس فقط لحماية الحكومة الشرعية، بل لإنقاذ الشعب اليمني من مصيرٍ مشابه لما حدث في سوريا ولبنان، حيث تحوّلت الدول هناك إلى رهائن للمشروع الإيراني. ولولا هذا التدخل، لكان الحوثيون اليوم يُحكمون قبضتهم بالكامل على اليمن، ولكان ميناء الحديدة قاعدة إيرانية تُهدد الملاحة الدولية، ولكانت الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية تنطلق من صنعاء بدلاً من طهران. السعودية لم تحارب الحوثي فقط، بل حاربت مخططًا كان يهدف إلى تطويق الخليج بنسخ متطرفة من حزب الله.
في الوقت الذي كان فيه الحوثيون يزرعون الألغام ويحاصرون المدن ويمنعون وصول الغذاء والدواء إلى المناطق التي لا تخضع لسيطرتهم، كانت السعودية تطلق حملات الإغاثة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، وتعيد بناء المدارس والمستشفيات، وتوفر الوقود والمساعدات الإنسانية لملايين اليمنيين. المفارقة هنا أن الحوثي، الذي يدّعي تمثيل الشعب، لم يكن سوى قاطع طريق يسرق المساعدات ويبيعها في السوق السوداء، بينما الدولة التي يُعلن عداءها هي نفسها التي ترسل الطعام والدواء لإنقاذ الأبرياء من جرائمه!
لم يكن الضرر الذي سببه الحوثيون مجرد دمار مادي، بل كارثة ثقافية واجتماعية. فبدلًا من أن يكون التعليم وسيلة للنهوض، حوّلوا المدارس إلى مراكز لغسيل الأدمغة، حيث يُدرَّس للأطفال أن "الولي الفقيه" هو القائد الأعلى، وأن الطاعة لإيران مقدّمة على الانتماء لليمن. في نفس الوقت، استهدفوا كل رموز الثقافة اليمنية، سواء بتهجير المفكرين أو بتدمير المكتبات والمراكز العلمية، في محاولة لخلق جيلٍ لا يعرف سوى شعارات الموت والولاء الطائفي.
اقتصاديًا، لا يوجد شيء أكثر تعبيرًا عن فشل الحوثيين من انهيار الريال اليمني، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة بشكل غير مسبوق. في الوقت الذي كان فيه اليمنيون يعانون من انقطاع الرواتب وشحّ الموارد، كانت قيادات الحوثي تبني القصور، وتستورد السيارات الفاخرة، وتعيش حياة الأمراء على حساب شعبٍ يموت جوعًا. الحوثي ليس أكثر من مافيا طائفية، تُتاجر بالحرب، وتستخدم الشعارات الدينية لتبرير جرائمها.
أما على المستوى العسكري، فالسعودية لم تكتفِ بالدفاع، بل دعمت بناء جيش وطني يمني قادر على استعادة بلاده. فعلى مدار السنوات، ساعد التحالف العربي في إعادة بناء القوات المسلحة اليمنية، ودعم المقاومة الشعبية، حتى باتت المناطق التي تسيطر عليها الحكومة الشرعية اليوم تشكّل نواةً لدولة قادرة على استعادة مكانتها. ولو لم يكن هذا الدعم موجودًا، لكان اليمن بأسره اليوم رهينةً لميليشيا مسلحة لا تعرف سوى لغة القمع والتبعية لإيران.
من يتابع المشهد اليوم، يدرك أن الحوثيين يمرون بـأضعف مراحلهم، فهم محاصرون داخليًا بفقدان الحاضنة الشعبية، وخارجيًا بـفقدان الدعم الإيراني نتيجة الأزمات التي تواجهها طهران. ومع كل عملية عسكرية ناجحة ضدهم، يتضح أنهم ليسوا أكثر من ظاهرة مؤقتة ستنتهي بمجرد استعادة الدولة اليمنية قوتها. أما السعودية، فليست فقط الدولة التي أنقذت اليمن من السقوط، بل هي التي وضعت الأساس لمستقبله، سواء عبر المساعدات أو عبر دعم بناء مؤسساته الشرعية.
حين ينتهي هذا الصراع، لن يتذكر اليمنيون الحوثي إلا كـمجرم حرب دمّر بلادهم، ولن ينسوا أن اليد التي امتدت لإنقاذهم لم تكن يدًا فارسية ملوثة بالطائفية، بل كانت يدًا عربية حملت الأمل قبل السلاح، والبناء قبل المعركة. والدرس الذي يجب أن يُكتب في التاريخ هو أن اليمن ليس مجرد ساحة حرب، بل هو قلب الجزيرة العربية، ومن يحاول خطفه لن يواجه سوى مصير الفشل والخذلان، مهما رفع من شعارات، ومهما تاجر باسم الدين والمقاومة.
تعليقات
إرسال تعليق