من يستغل من؟ حماس أم إيران؟

الوهم المتبادل: كيف تستغل إيران القضية الفلسطينية بينما يظن الفلسطينيون أنهم يستغلون دعمها؟

في العلاقة الملتبسة بين إيران والفصائل الفلسطينية، تسود قناعة لدى كثير من قادة هذه الفصائل بأنهم نجحوا في توظيف الدعم الإيراني لصالح مشروعهم الوطني، بينما تقول القراءة المتأنية للمشهد إن العكس هو الصحيح تماماً: إيران هي التي استغلت القضية الفلسطينية، وحوّلتها إلى ورقة ضغط في مشروعها التوسعي الإقليمي، دون أن تقدم في المقابل ما يستحق التضحية.

الانقسام: أول ثمار التوظيف الإيراني

لم يكن الانقسام الفلسطيني بين غزة والضفة الغربية وليد الصدفة، بل كان نتيجة مباشرة لسياسة إيرانية مدروسة. فمنذ بداية تأسيس السلطة الفلسطينية، وجدت إيران موطئ قدم لها عبر علاقة بدأتها مع حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" بالدعم العلني.1 وقد دعمت طهران هاتين الحركتين ودفعتهما إلى معارضة السلطة الفلسطينية، حيث انقسم الصف الفلسطيني وعمّق الانقسام الفجوة بين قطاع غزة والضفة الغربية.2

لم تتوقف إيران عند هذا الحد، فقد غذّت أول انقسام داخل حركة "فتح" بقيادة أبوموسى، الذي مهد لانقسام أكبر بين الفلسطينيين.3 كما ظلت تلاحق الرئيس عرفات، وأعلنت حربها على اتفاق أوسلو، وبذلت جهوداً كبيرة للانقلاب عليه وتدميره.4 هذا النمط من السلوك يكشف أن إيران لم تكن يوماً حريصة على وحدة الصف الفلسطيني، بل على العكس، كان التشرذم يخدم مصالحها في إبقاء الفصائل الفلسطينية تابعة لها ومحتاجة إليها.

دعم انتقائي: عسكرة بدل تنمية

تكشف طبيعة الدعم الإيراني عن أهدافه الحقيقية. فبينما يتركّز هذا الدعم بشكل أساسي على الجوانب العسكرية والتمويل النقدي، تغيب عنه بشكل كامل ولافت للنظر مشاريع التنمية الحقيقية، الاقتصادية والاجتماعية، مثل بناء المدارس والمستشفيات ودعم الاقتصاد والمجتمع الفلسطينيين. هذا الغياب ليس مصادفة، بل يعكس رغبة مبيّتة في إبقاء المجتمع الفلسطيني في حالة صراع دائم يخدم حسابات إقليمية أوسع لصالح إيران.

فإيران خصصت مليارات الدولارات سنوياً لدعم هذه الأذرع، بينها مئات الملايين لحزب الله وحده، ونحو 100 إلى 350 مليون دولار سنوياً لحماس.5 لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا لو استُخدمت هذه الأموال في بناء مستشفيات ومدارس وتدريب أجيال من الفلسطينيين؟ الإجابة تتضح من خلال الممارسة الإيرانية ذاتها، التي فضّلت دائماً الاستثمار في الحروب واستغلال معاناة الفلسطينيين لفتح الباب أمام مشروعها التوسعي.

عسكرة القضية وإبقاء الجرح مفتوحاً

لم تكن إيران يوماً حريصة على إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، لأن القضية في نظرها يجب أن تبقى مشتعلة لتخدم أغراضاً استراتيجية. فخلال الحرب على غزة، لم تتحوّل القضية الفلسطينية إلى شرط في المفاوضات الإيرانية مع الولايات المتحدة، ولم يصبح وقف الحرب أو إنهاء الحصار جزءاً من التفاهمات التي سعت إليها طهران. وعلى الرغم من أن غزة تُقدَّم باعتبارها أحد أهم ميادين المواجهة مع إسرائيل، فإن المفاوضات ركّزت على الملفات المرتبطة مباشرة بإيران: العقوبات، والأمن، والاقتصاد، واستقرار النظام.6

هذا التناقض الصارخ بين الخطاب والممارسة يكشف أن غزة ليست سوى "غنيمة مذبوحة" في نظر طهران.7 فقد رأى محللون أن المشهد الفلسطيني في غزة اليوم ليس سوى انعكاس مأساوي لسياسة "الاستنزاف بالوكالة" التي أتقنتها طهران لعقود، حيث كانت توزع بطاقات الدعم بينما تتحول غزة تدريجياً إلى ساحة تجارب لصواريخها، لا لخدمة الفلسطينيين بل لأجندة التوسع الإيراني.

الفصائل بين الاعتماد والاستغلال

تتوزع الفصائل الفلسطينية في علاقتها بإيران على درجات متفاوتة من التبعية. فحركة الجهاد الإسلامي تُعد في جوهرها وكيلاً إيرانياً يعمل بشكل شبه كامل لصالح طهران.8 أما حماس، فرغم أنها تتصرف باستقلالية نسبية، إلا أن اعتمادها على الدعم الإيراني جعلها في كثير من الأحيان عرضة للتوجيه الإيراني، خصوصاً مع تراجع مصادر التمويل الأخرى. ويقرّ محللون بأن حماس راهنت على دعم إيراني غير مضمون، متناسيةً أن إيران لا تهتم بغزة ولا بفلسطين بقدر اهتمامها بترسيخ نفوذها في المنطقة.9

والأخطر من ذلك أن إيران حرصت على دعم أكثر من طرف في الساحة الفلسطينية للحفاظ على نفوذها. فقد أشارت تقارير إلى أن طهران تدعم بعض الجماعات الفلسطينية ضد أخرى لتغذية الخلاف والنزاع بينها، وذلك بهدف السيطرة على الأجنحة الفلسطينية واستخدامها لتحقيق أهدافها الإقليمية.10 هذا النهج يضمن لإيران ألا تتحد الفصائل الفلسطينية في موقف واحد قد يهدد مصالحها، وأن تبقى كل جماعة في حاجة إليها لحماية موقعها.

النتائج الملموسة: غزة نموذجاً

إذا كان لا بد من قياس النتائج، فإن غزة تقدم الدليل الأكثر إيلاماً. فبعد أكثر من عام ونصف من الحرب، ومع عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى وتدمير البنية التحتية للقطاع بالكامل، تقف حماس اليوم تفاوض على "كل ما كانت تمتلكه في غزة" قبل السابع من أكتوبر. وفي استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في مايو 2025، وجد أن 54 في المئة من الفلسطينيين يعتقدون أن دور إيران كان ضاراً بالقضية الفلسطينية.11 هذه النسبة تكشف أن القناعة الشعبية بدأت تتشكل عكس ما تروّجه الخطابات الرسمية.

خلاصة: من يستغل من؟

المفارقة المركزية في العلاقة بين إيران والفصائل الفلسطينية تكمن في أن الطرفين يعتقدان أنهما يستغلان الآخر. فالفصائل تظن أنها تستفيد من الدعم الإيراني لتعزيز قدراتها في مواجهة إسرائيل، بينما إيران تستخدم هذه الفصائل كأداة لتحقيق أهداف استراتيجية أوسع تتجاوز فلسطين بكثير. لكن الوقائع تشير إلى أن إيران هي الطرف الأكثر استفادة، بينما يتحمل الفلسطينيون وحدهم ثمن المغامرات التي تُقرَّر في طهران.

فإيران، كما يوضح أحد التحليلات، تعتبر القضية الفلسطينية "ورقة نفوذ" بامتياز،12 إذ وظفتها لتحسين صورتها في العالم الإسلامي، وللضغط في مفاوضاتها مع القوى الكبرى، بينما حرصت في الوقت نفسه على ألا تتحول هذه القضية إلى التزام حقيقي يفرض عليها تقديم تنازلات. إن الوهم الذي يعيشه بعض الفلسطينيين بأنهم يستغلون إيران يجب أن يتبدد، فالعلاقة التي تقوم على الاعتماد المالي والعسكري على طرف خارجي لن تنتج إلا مزيداً من التبعية والاستنزاف، لا التحرير.

الهوامش والمراجع

  1. تقرير معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى حول علاقة إيران بحركتي حماس والجهاد الإسلامي منذ تأسيس السلطة الفلسطينية. washingtoninstitute.org ↩
  2. تحليل مركز "كارنيغي" للشرق الأوسط عن دور إيران في تعميق الانقسام الفلسطيني. carnegie-mec.org ↩
  3. دراسة عن انقسام حركة "فتح" بقيادة أبوموسى والدور الإيراني فيه، موسوعة الجزيرة. aljazeera.net ↩
  4. ورقة بحثية لمركز "بروكنغز" حول موقف إيران من اتفاق أوسلو والرئيس عرفات. brookings.edu ↩
  5. تقديرات التمويل الإيراني للفصائل، تقرير لوكالة "رويترز". reuters.com ↩
  6. تحليل "معهد الشرق الأوسط" حول أولويات إيران في المفاوضات مع واشنطن. mei.edu ↩
  7. مقال تحليلي لموقع "الجزيرة" بعنوان "غنيمة مذبوحة: غزة بين إيران وإسرائيل". aljazeera.net ↩
  8. تقرير مؤسسة "راند" حول العلاقة بين إيران وحركة الجهاد الإسلامي. rand.org ↩
  9. تحليل مجلة "فورين أفيرز" حول مراهنة حماس على الدعم الإيراني. foreignaffairs.com ↩
  10. تقرير حول دعم إيران لجماعات فلسطينية متعددة، "مركز دراسات الشرق الأوسط". mei.edu ↩
  11. استطلاع الرأي للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، أيار/مايو 2025. pcpsr.org ↩
  12. تحليل لمركز "تشاتام هاوس" حول القضية الفلسطينية كأداة نفوذ إقليمية. chathamhouse.org ↩

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطط اسرائيل الحالية لفرض السيطرة الكاملة على الضفة وغزة وتقويض الكيان الفلسطيني

قراءة نقدية في لقاء الدكتور عبد الخالق عبد الله 3

قراءة نقدية في لقاء الدكتور عبد الخالق عبد الله