سلطنة عمان تدعم الحوثي 2

هل تدعم سلطنة عُمان الحوثيين؟

قراءة في الوثائق الأممية ومسارات التهريب والعلاقة مع إيران وموقف مسقط من الشرعية اليمنية

الادعاء بأن سلطنة عُمان «تدعم الحوثيين» يحتاج إلى تمييز دقيق بين ثلاثة مستويات مختلفة: الدعم المباشر الرسمي، والسماح بالمرور أو التهريب عبر الأراضي والمياه العُمانية، والوساطة السياسية والعلاقة مع إيران. الوثائق الأممية المتاحة تثبت وجود مسارات تهريب تستخدم الحدود والمياه العُمانية، لكنها لا تقدم دليلًا قاطعًا على أن الدولة العُمانية نفسها تدير أو تمول هذه التهريبات.

أولًا: موقف عُمان من الشرعية اليمنية

لم تنضم سلطنة عُمان إلى التحالف العربي بقيادة السعودية الذي بدأ عمليته العسكرية في اليمن عام 2015، واختارت الحياد العسكري بدل المشاركة في الحرب. هذا الموقف جعلها محايدة رسميًا تجاه الصراع، لكنه جعلها أيضًا الدولة الخليجية الوحيدة التي حافظت على قنوات اتصال مباشرة مع الحوثيين وإيران.

وعلى الرغم من أن عُمان احتضنت الوفد الحكومي اليمني في بعض المراحل، فإنها لم تمنح الحوثيين اعترافًا سياسيًا كاملًا أو تمثيلًا دبلوماسيًا رسميًا. لكن علاقتها الوظيفية بهم، خاصة في ملف المفاوضات والإفراج عن الأسرى وفتح قنوات إنسانية، جعلتها تُقرأ في العاصمة السعودية كطرف يميل إلى «إدارة» الحوثيين لا عزلهم.

وهنا يكمن جوهر الجدل: عُمان ترى في الحوار مع الحوثيين ضرورة أمنية لمنع امتداد الحرب إلى حدودها، بينما ترى الرياض أن هذا الحوار منح الحوثيين شرعية عملية وفضاءً للتنفس في ظل استمرار السلاح.

ثانيًا: العلاقة مع إيران والحوثيين

تتبنى عُمان سياسة «الحياد الإيجابي» تجاه إيران منذ عقود، وهي الدولة الخليجية الوحيدة التي تحافظ على علاقات ودية مع طهران وواشنطن في الوقت نفسه. هذا جعل مسقط وسيطًا طبيعيًا بين واشنطن وطهران، وبين الحكومة اليمنية والحوثيين.

لكن هذه الوساطة أثارت شكوكًا متكررة لدى السعودية والإمارات، لأنها قد تمنح إيران والحوثيين قناة اتصال وتنسيق لا تمر عبر الرياض. والسؤال الجوهري ليس هل تتواصل عُمان مع الحوثيين، فذلك مؤكد، بل هل تتجاوز هذه العلاقة الوساطة إلى تسهيل فعلي للسلاح واللوجستيات؟

الوثائق الأممية تشير إلى أن الحوثيين يعتمدون على شبكات تهريب تمتد عبر الخليج والبحر العربي، وأن بعض هذه المسارات يمر عبر المياه العُمانية أو الحدود البرية العُمانية اليمنية. لكن التقارير لا تصف عُمان كطرف داعم رسمي، بل كدولة تمر عبرها أو قربها مسارات تهريب يستغلها شبكات مرتبطة بالحوثيين وإيران.

ثالثًا: ماذا تقول وثائق الأمم المتحدة؟

أهم الوثائق المتاحة هي تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، الذي أنشئ بموجب قرار مجلس الأمن 2140 لعام 2014، ومهمته مراقبة تنفيذ حظر السلاح المفروض على الحوثيين وقياداتهم.

في تقريره لعام 2021، وثّق الفريق أن الأسلحة والمعدات تُنقل عبر السفن التقليدية في بحر العرب، ثم تُفرّغ في مياه عُمانية أو صومالية إلى قوارب أصغر، قبل أن تصل إلى السواحل اليمنية الجنوبية ومنها إلى مناطق سيطرة الحوثيين.[1]

كما وثّق التقرير نفسه تحقيقًا في أشخاص سافروا إلى عُمان ضمن «رحلات الرحمة» منذ 2015 ثم انتقلوا إلى إيران، وأفاد أحدهم لاحقًا بأنه تلقى تدريبًا بحريًا في بندر عباس وساهم لاحقًا في تهريب بحري لصالح الحوثيين.[1]

وفي تقرير عام 2023، كشف فريق الخبراء التحقيق في تهريب حاويات إطلاق صواريخ مضادة للدروع داخل شاحنة تجارية عبر الحدود البرية بين عُمان واليمن. كما حدد فريق الخبراء شبكة من الأفراد المرتبطين بالحوثيين في اليمن وعُمان، مهمتها تجنيد أطقم القوارب وتسهيل تحركاتهم وترتيب المركبات والقوارب لهم.[2]

كما وثّق التقرير أن بعض الصواريخ المضادة للدبابات التي ضُبطت قرب الحدود العُمانية تحمل خصائص وعلامات فنية تتسق مع التصنيع الإيراني، رغم أن الفريق لم يتمكن من التحقق المستقل من كل تفاصيل الادعاءات.[2]

وفي تقرير 2025، أشار الفريق إلى أن معابر شحن وسرفيت بين عُمان واليمن تُستخدم بانتظام لإدخال مواد مخصصة للاستخدام العسكري، وأن بعض الشحنات تُفرّغ في قوارب صغيرة على بعد 12 ميلًا بحريًا من الساحل قرب الحدود اليمنية العُمانية.[3]

رابعًا: هل هذا «دعم رسمي»؟

المستوى ما تدعمه الأدلة
دعم عسكري رسمي معلن من الدولة لا يوجد دليل أممي منشور يثبت أن حكومة عُمان تزود الحوثيين بالسلاح أو تمولهم رسميًا.
استخدام الأراضي والمياه العُمانية في التهريب موثق في تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة عبر مسارات بحرية وبرية، بما فيها معبرا شحن وسرفيت.[1][2][3]
شبكات حوثية داخل عُمان وثّقت الأمم المتحدة وجود شبكة أفراد مرتبطين بالحوثيين في اليمن وعُمان لتجنيد الأطقم وتسهيل الحركة والنقل.[2]
الوساطة السياسية مع الحوثيين مؤكدة ومعلنة؛ عُمان تتعامل مع الحوثيين كطرف فعلي في المفاوضات والملفات الإنسانية.
العلاقة مع إيران ودية وتاريخية، وتمنح طهران ومسقط قنوات اتصال مباشرة، لكنها لا تثبت وحدها تورط الدولة العُمانية في تهريب السلاح.

خامسًا: ما الذي يمكن قوله بدقة؟

يمكن القول بدقة أن سلطنة عُمان لم تُثبت أمام وثائق أممية منشورة أنها دولة داعمة رسميًا للحوثيين، سواء بالسلاح أو التمويل المباشر أو التوجيه العسكري. لكن يمكن القول أيضًا أن الأراضي والمياه والحدود العُمانية استُخدمت ضمن مسارات تهريب موثقة، وأن شبكات مرتبطة بالحوثيين نشطت داخل عُمان أو عبر حدودها.

والفرق بين العبارةين جوهري: الأولى تعني تورط الدولة كفاعل رسمي، والثانية تعني إما ضعف الرقابة الحدودية، أو وجود شبكات تهريب مستغلة للجغرافيا، أو في أسوأ الاحتمالات تساهل مؤسسي لم يُثبت بعد بشكل علني وموثق.

لذلك، فإن الادعاء الأدق ليس «عُمان تدعم الحوثيين» بشكل قاطع، بل: «وثائق الأمم المتحدة توثق استغلال مسارات عُمانية في تهريب مواد عسكرية إلى الحوثيين، مع غياب دليل علني يثبت أن الدولة العُمانية نفسها هي الجهة الداعمة».

الخلاصة

عُمان لم تنضم إلى الحرب ضد الحوثيين، وحافظت على علاقة عملية معهم لأسباب أمنية وسياسية مرتبطة بحماية حدودها ودورها كوسيط. لكن هذه السياسة جعلتها عرضة للاشتباه، خاصة مع ظهور تقارير أممية متكررة عن تهريب أسلحة ومكونات عسكرية عبر المياه والحدود العُمانية.

والوثائق المتاحة تثبت وجود المسار والاستغلال، لا الدعم الرسمي المباشر. ومن يريد الجدل بموضوعية عليه أن يستخدم هذه الصياغة الدقيقة، بدل التحويل المباشر من «وجود تهريب عبر عُمان» إلى «عُمان تدعم الحوثيين».

الهوامش والمراجع

  1. [1] تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، S/2021/79، يناير 2021: توثيق مسارات التهريب البحرية في بحر العرب، والتحويل من السفن الكبيرة إلى القوارب الصغيرة في المياه العُمانية والصومالية، والتحقيق في أشخاص سافروا عبر «رحلات الرحمة» إلى عُمان ثم إيران. رابط التقرير
  2. [2] تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، S/2023/130، فبراير 2023: التحقيق في تهريب حاويات إطلاق صواريخ مضادة للدبابات عبر الحدود البرية مع عُمان، وتحديد شبكة أفراد حوثيين في اليمن وعُمان. رابط التقرير
  3. [3] تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، S/2025/650، أكتوبر 2025: الإشارة إلى استخدام معبري شحن وسرفيت بين عُمان واليمن لإدخال مواد مخصصة للاستخدام العسكري، وتفريغ شحنات في قوارب قرب الحدود البحرية. رابط التقرير
  4. [4] صفحة تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، مجلس الأمن الدولي: تضم التقارير السنوية الصادرة بموجب قرار مجلس الأمن 2140. رابط الصفحة
  5. [5] تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة لعام 2016: الإشارة إلى التحقيق في شحنة صواريخ مضادة للدبابات ضُبطت قرب الساحل العُماني، وأن خصائصها تتوافق مع أسلحة إيرانية ظهرت لدى الحوثيين. رابط التقرير
  6. [6] Washington Institute، «The UN Exposes Houthi Reliance on Iranian Weapons» (2020): استنادًا إلى تقرير خبراء الأمم المتحدة، وثّق وصول مكونات وأنظمة أسلحة عبر مسارات برية تشمل عُمان وبحرية على الساحل اليمني الجنوبي. رابط المقال
  7. [7] Foundation for Defense of Democracies، «Preventing Houthi Rearmament Now…» (2026): استعراض لتقارير الأمم المتحدة حول استخدام الطرق البرية العُمانية، خصوصًا في ظفار وجزرها المحيطة، كممرات عبور لشحنات أسلحة إيرانية منذ 2016 على الأقل. رابط المقال
  8. [8] Asharq Al-Awsat، «UN Experts Urge Intensifying Efforts to Combat Smuggling of Iranian Arms to Houthis» (2023): نقل لتوصيات فريق خبراء الأمم المتحدة بشدة مكافحة تهريب الأسلحة الإيرانية إلى الحوثيين، مع الإشارة إلى التحقيق في العبور البري عبر الحدود العُمانية. رابط المقال

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خطط اسرائيل الحالية لفرض السيطرة الكاملة على الضفة وغزة وتقويض الكيان الفلسطيني

قراءة نقدية في لقاء الدكتور عبد الخالق عبد الله 3

قراءة نقدية في لقاء الدكتور عبد الخالق عبد الله