التجنيس في العراق بعد 2003
التجنيس في العراق بعد 2003
مقدمة: جريمة بحق الهوية الوطنية
منذ سقوط نظام صدام حسين في التاسع من أبريل/نيسان 2003، دخل العراق في نفق مظلم من التحولات الجذرية التي لم تقتصر على الجانب السياسي والأمني، بل امتدت لتطال الهوية الوطنية والتركيبة السكانية للبلاد. وفي قلب هذا التحول، يقف ملف التجنيس كأحد أخطر الملفات التي تواجه مستقبل العراق، إذ تحول من إجراء إداري منظم بموجب القانون، إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى إحداث تغيير ديموغرافي واسع النطاق يخدم أجندات إقليمية محددة، وعلى رأسها الأجندة الإيرانية.
تشير تقارير وشهادات موثقة إلى أن عمليات التجنيس التي جرت بعد 2003 لم تكن حالات فردية أو استثناءات إنسانية، بل كانت -وما زالت- مشروعاً استراتيجياً متكاملاً يهدف إلى "طمس هوية الشعب العراقي عبر جلب المزيد من الجنسيات الأجنبية وتوطينهم في العراق"[1]. وتصف هيئة علماء المسلمين في العراق هذا الملف بأنه "مشروع إيراني لمصادرة عروبته"[2]، مشيرة إلى أن "قانون التجنيس بعد 2003 أصبح أداة قانونية مهمة لدى جميع الحكومات المتعاقبة تستغلها في التحكم بتحديد هوية الدولة وتركيبتها السكانية، خاصة في عمليات التجنيس الجماعي للإيرانيين وغيرهم"[3].
أولاً: الإطار القانوني — قانون الجنسية رقم (26) لسنة 2006
نشأة القانون وظروفه
صدر قانون الجنسية العراقية رقم (26) لسنة 2006 في ظل ظروف سياسية استثنائية، حيث كانت البلاد تحت الاحتلال الأمريكي وتشهد صعوداً متسارعاً للقوى السياسية الشيعية الموالية لإيران. وقد جاء هذا القانون ليحل محل قانون الجنسية العراقية السابق، وليفتح الباب على مصراعيه لعمليات تجنيس واسعة النطاق لم تكن ممكنة في السابق[4].
الثغرات القانونية الخطيرة
ينص القانون في الفقرة الأولى (ج) من المادة (6) على أن "لوزير الداخلية أن يقبل تجنيس غير العراقي الذي أقام في العراق بصورة مشروعة مدة لا تقل عن عشر سنوات متتالية سابقة على تقديم الطلب". لكن المفارقة الخطيرة تكمن في أن هذه المدة القانونية لم تُطبق فعلياً على آلاف الأجانب الذين مُنحوا الجنسية العراقية بطرق غير نظامية.
وتنص الفقرة الثالثة من المادة (6) على أنه "لا تُمنح الجنسية العراقية لأغراض سياسة التوطين السكاني المخل بالتركيبة السكانية في العراق". هذا النص، على الرغم من وضوحه، لم يمنع حدوث عمليات تجنيس جماعي استهدفت تغيير التركيبة السكانية، مما يثير تساؤلات جدية حول جدية تطبيق هذا الحظر.
تعديل 2019: محاولة مكشوفة لتسهيل التجنيس الجماعي
في عام 2019، أُثير جدل واسع النطاق حول محاولة تعديل قانون الجنسية لمنح الجنسية العراقية لأي أجنبي أقام في العراق سنة واحدة فقط بدلاً من عشر سنوات. وقد وصف المراقبون هذا التعديل بأنه "بصمات إيرانية لشرعنة ميليشياتها بالعراق"، إذ يسمح "لمنح الجنسية العراقية لكل من أقام في العراق عاماً واحداً"[5].
وقد صرح السياسي العراقي عمار طعمة، رئيس كتلة النهج الوطني البرلمانية، بأن مشروع تعديل قانون الجنسية "يتضمن ثغرات تؤدي للتغيير السكاني ومنح الجنسية لأشخاص قد يكونون معادين للعراق". وأشار إلى أن العراق "يدخله حوالي 6 ملايين إيراني سنوياً"[6].
ثانياً: آليات التجنيس الممنهج — كيف تم تفكيك الهوية؟
1. استغلال ذريعة "العراقيين المبعدين"
كانت الذريعة الأساسية التي استُخدمت لتبرير عمليات التجنيس الجماعي هي "إعادة إدماج العراقيين المبعدين" في عهد صدام حسين. لكن التقارير تكشف أن آلاف الإيرانيين دخلوا العراق بعد 2003 منتحلين صفة "مهجرين"، مدعين أن النظام السابق أسقط جنسيتهم، وقدموا طلبات للحصول على الجنسية العراقية بناءً على هذا الادعاء. وتشير تقارير صحفية إلى أن "حكومة الإطار التنسيقي تدفع إلى تجنيس مئات الآلاف من الإيرانيين في خطة زعمت أنها تهدف إلى إعادة إدماج العراقيين المبعدين"[7].
2. غطاء "الحوزات الدينية"
من أخطر الآليات التي استُخدمت لتجنيس الإيرانيين والأفغان والباكستانيين هي ذريعة "طلاب الحوزات الدينية". فقد أشار مدير الجنسية في النجف الأشرف، غزوان صالح كريم، إلى وجود أكثر من 7 آلاف مواطن أجنبي وعربي في المحافظة، يدرس معظمهم في الحوزة العلمية، مع إمكانية حصول أي منهم على الجنسية العراقية[8].
لكن الأرقام الحقيقية أكبر بكثير مما هو معلن، إذ تشير تقارير مركز الرافدين للعدالة وحقوق الإنسان إلى أن "القضية بدأت فعلياً بعد سنة 2003 وتصاعدت بين 2006 و2015 عبر تجنيس آلاف الإيرانيين والأفغان والباكستانيين وآخرين تحت عناوين مختلفة منها الحوزات الدينية أو الإقامة الخاصة، ثم توسعت لاحقاً لتشمل عائلات كاملة من جنسيات متعددة بينهم أشخاص ملاحقون أمنياً في بلدانهم الأصلية"[9].
3. سيطرة الميليشيات على دوائر الجنسية
أحد أخطر جوانب هذا الملف هو سيطرة الميليشيات الموالية لإيران على دوائر الجنسية والأحوال المدنية. وقد كشف الإعلامي الشيخ طامي المجمعي، عضو مجلس شيوخ ووجهاء عشائر صلاح الدين، عن أمر بالغ الخطورة، مؤكداً أنه "منذ 9/4/2003، وعلى مدى الحكومات المتعاقبة إلى يومنا هذا، لم يتم تعيين مدير عام لدائرة السفر والجنسية في وزارة الداخلية من خارج جهة محددة، وأن جميع المدراء المتعاقبين الذين شغلوا هذا المنصب هم من منظمة بدر الولائية وينفذون أوامر عليا وفق سياسات مخطط لها من قبل النظام الإيراني"[10].
كما أشار مصدر في وزارة الداخلية إلى أن الميليشيات التي تعمل مع الحرس الثوري الإيراني هي التي تسيطر على دوائر النفوس والأحوال المدنية، مما سهّل عملية منح الجنسية لآلاف الإيرانيين بتزوير الوثائق أو إتلاف السجلات الأصلية.
4. تزوير الوثائق وتزييف الأصول
يُعدّ التزوير من أخطر المشكلات التي يعاني منها العراق منذ عام 2003. فبحسب هيئة النزاهة العراقية، "قدّم كثير من الأجانب وثائق مزوّرة ضمن طلبات تجنيسهم، لإثبات أصولهم العراقية، وتم تجنيسهم بلا تدقيق، وبعلم من الحكومة". هذا التزوير لم يقتصر على وثائق الجنسية، بل امتد ليشمل جوازات السفر والهويات الشخصية وبطاقات السكن، مما جعل من الصعب جداً تتبع العدد الفعلي للمجنسين.
ثالثاً: الأرقام الموثقة — الفجوة بين الرواية الرسمية والحقيقة
الرواية الرسمية: 2,757 شخصاً فقط!
في مفارقة صارخة، أعلن اللواء مقداد ميري، مدير الأحوال المدنية والجوازات في وزارة الداخلية، أن "المجموع الكلي للأجانب الذين مُنحوا الجنسية العراقية منذ عام 2006 وحتى العام الحالي بلغ 2757 شخصاً، وأن عمليات التجنيس جرت وفقاً للضوابط القانونية والتعليمات النافذة"[11].
الشهادات والتقارير: ملايين وليس آلافاً
لكن هذه الأرقام الرسمية تتناقض بشكل جذري مع الشهادات والتقارير الموثقة:
1. شهادة الوزير العراقي السابق: نشر وزير عراقي سابق أن نحو 4 ملايين أجنبي مُنحوا الجنسية العراقية بعد عام 2003، معظمهم يقيمون خارج العراق ولا يتحدثون العربية[12].
2. تقدير السياسي ثائر البياتي: قدّر السياسي العراقي ثائر البياتي العدد بين 5 إلى 7 ملايين أجنبي[13].
3. التقديرات القصوى: 10 ملايين مجنس: في أبريل 2026، أطلق الشيخ طامي المجمعي، عضو مجلس شيوخ ووجهاء عشائر صلاح الدين، تحذيراً صريحاً جاء فيه: "إن الأرقام المتداولة، والتي تتراوح بين سبعة ملايين (7,000,000) إلى عشرة ملايين (10,000,000) شخص تم تجنيسهم على مدى أكثر من ثلاثة وعشرين (23) عاماً، تثير صدمة حقيقية في الشارع العراقي، خصوصاً في محافظة النجف الأشرف، حيث لم يعد الحديث عن حالات فردية، بل عن واقعٍ يتحدث عن وجود أحياءٍ كاملة يسكنها مجنّسون"[14].
وتشمل الجنسيات التي شملتها عمليات التجنيس: الإيرانية، الباكستانية، الشيشانية، الأفغانية، الهندية، الصينية، فضلاً عن جنسيات أخرى.
4. أرقام إضافية من مديرية الجنسية: أشارت مديرية الجنسية إلى أن هناك 3 ملايين إيراني الأصل لديهم معاملات في مديرية الجنسية لم تنجز، تم إضافتهم كاستثناء للمهجرين قسراً.
5. تقديرات هيئة علماء المسلمين: كشفت تقارير صحفية عربية أن مشروع تعديل قانون الجنسية "سيضيف إلى سكان بغداد نحو (4) ملايين شخص أجنبي، ويغيّر الوجه العربي والهوية العربية للعاصمة"[15].
رابعاً: دور إيران — المشروع الاستراتيجي لتغيير الهوية
استراتيجية التهجير والتوطين
لا يمكن فهم عمليات التجنيس بمعزل عن الاستراتيجية الإيرانية الأوسع التي تهدف إلى تغيير التركيبة الديموغرافية للعراق. وتتلخص هذه الاستراتيجية في شقين متكاملين:
الشق الأول: تهجير السكان الأصليين. تسعى إيران ووكلاؤها في العراق إلى "تغيير تركيبة البلاد ديموغرافياً عبر تهجير العراقيين من مناطقهم قسراً كما في مناطق حزام بغداد وديالى وصلاح الدين وبابل وغيرها من المناطق العراقية". ويُمنع سكان أكثر من 350 مدينة وبلدة وقرية موزعة على تسع محافظات عراقية من العودة إلى ديارهم بعد استعادتها من تنظيم داعش، بسبب سيطرة الميليشيات المسلحة على هذه المناطق.
الشق الثاني: توطين وتجنيس الأجانب. في المقابل، يتم جلب إيرانيين وأفغان وباكستانيين وتوطينهم في مدن السنة تحديداً، حيث يتم تجنيسهم وتوطينهم في المناطق التي تم إفراغها من سكانها الأصليين. وتؤكد هيئة علماء المسلمين أن "هذه المساعي تزيد من مخاوف المنظمات الحقوقية والعراقيين من استغلال أحزاب العملية السياسية وميليشياتها للسلطة بهدف تجنيس الأجانب من الإيرانيين وغيرهم ممن يتم استقطابهم من أجل خدمة المصالح الإيرانية وأجندة نظامها داخل البلاد"[16].
الهدف المعلن: تقليص السنة والعرب
تشير تقارير صادرة عن جهات حقوقية وسياسية إلى أن الهدف الأساسي من هذه السياسة هو إحداث تغيير ديموغرافي يخدم الأجندة الإيرانية، عبر استبدال السكان الأصليين بجنسيات أخرى موالية. ويُوصف هذا المخطط بأنه "خبيث" ويهدف إلى "إنهاء وجود الشعب العراقي كشعب أصيل"، واستبداله بأعراق من إيران وأفغانستان والهند وباكستان.
ويؤكد المراقبون أن "عمليات تجنيس الأجانب من قبل حكومات الاحتلال المتتابعة تهدف إلى طمس هوية الشعب العراقي عبر جلب المزيد من الجنسيات الأجنبية وتوطينهم في العراق". كما يشير الباحثون إلى أن "العراق يجنس من 7,000,000 إلى 10,000,000 شخص منذ 2003 من إيران، باكستان، الشيشان، أفغانستان، الهند والصين… ملف خطير يهدد بنية الدولة العراقية"[17].
استخدام العراق كمنصة إقليمية
لم يقتصر دور إيران على التغيير الديموغرافي الداخلي، بل استخدمت العراق كمنصة لإعادة تنظيم شبكاتها السياسية والأمنية في المنطقة. ويشير مركز الرافدين إلى "وجود معلومات عن إسكان مجموعات مرتبطة بمحاور إقليمية داخل مدن عراقية محددة واستخدام العراق كمنصة لإعادة تنظيم شبكات سياسية وأمنية مرتبطة بالمشروع الإيراني في المنطقة"[18].
ومن أبرز الأمثلة على ذلك، حصول قائد ميليشيا "قسد" في سوريا، مظلوم عبدي، وعدد من السوريين والإيرانيين على وثيقة سفر عراقية عبر دائرة الجوازات في مدينة كركوك، وتم تغيير اسمه في الوثيقة إلى "خليل محمد حسين"[19].
خامساً: شهادات المسؤولين العراقيين — أصوات التحذير
1. الشيخ طامي المجمعي — عضو مجلس شيوخ ووجهاء عشائر صلاح الدين
كانت شهادته الأكثر تفصيلاً وخطورة، حيث كشف عن الأرقام الكبيرة (7-10 ملايين مجنس) وحذر من أن "ملف رفع تجميد وترقين قيود ما يُسمّى بالتبعية الإيرانية، وما تبعه من عمليات تجنيسٍ واسعة ومثيرة للجدل، قد تجاوز كل الخطوط الحمراء، ولم يعد مجرد إجراء إداري، بل أصبح قضية تمسّ صميم الدولة وتهدد هوية المجتمع العراقي".
كما كشف أن "أغلب هؤلاء دخلوا إلى العراق بحجة الدراسة في الحوزة العلمية في محافظة النجف الأشرف"، وأنه "تم تعيين عددٍ كبيرٍ منهم في دوائر الدولة، بل وفي مواقع حساسة للغاية، فيما مُنح من لم يتم تعيينه رواتب وامتيازات تفوق ما يحصل عليه العراقيون الأصلاء"[20].
2. اللواء مقداد ميري — مدير الأحوال المدنية (الرواية الرسمية)
أعلن أن العدد الإجمالي للمجنسين منذ 2006 هو 2757 شخصاً فقط، مؤكداً أن "عمليات التجنيس جرت وفقاً للضوابط القانونية والتعليمات النافذة، وأن منح الجنسية يخضع للموافقات الأصولية بعد استكمال جميع الشروط الأمنية والإدارية". هذا التصريح يتناقض بشكل صارخ مع كل الشهادات والتقارير الأخرى، مما يثير تساؤلات حول شفافية هذه الأرقام ومدى دقتها[21].
3. عمار طعمة — رئيس كتلة النهج الوطني البرلمانية
صرح بأن مشروع تعديل قانون الجنسية "يتضمن ثغرات تؤدي للتغيير السكاني ومنح الجنسية لأشخاص قد يكونون معادين للعراق"، محذراً من أن العراق "يدخله حوالي 6 ملايين إيراني سنوياً"[22].
4. إبراهيم الجعفري — وزير الخارجية السابق
في عام 2004، ورداً على سؤال حول معلومات عن تجنيس آلاف الإيرانيين بوثائق مزورة، وصف الجعفري هذه المعلومات بأنها "محاولات لإشعال فتنة داخلية"، موضحاً أن "هناك الآلاف من الأكراد الشيعة (الفيلية) كان النظام السابق هجرهم إلى البلد الجار في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي فبدأوا رحلة العودة الآن"[23]. لكن هذا التبرير لا يفسر الأعداد الضخمة والجنسيات المتنوعة التي شملتها عمليات التجنيس.
5. السياسي العراقي ثائر البياتي
قدّر عدد المجنسين بين 5 إلى 7 ملايين أجنبي، معظمهم من إيران، مشيراً إلى أن العدد الحقيقي أكبر بكثير من المعلن عنه[24].
سادساً: حالات التجنيس خارج العراق — فدائيو صدام
لم تقتصر عمليات التجنيس على العراق، بل امتدت لتشمل دولاً أخرى استقبلت عناصر من النظام السابق، وإن كانت هذه الحالات مختلفة في طبيعتها عن عمليات التجنيس في العراق بعد 2003.
البحرين: تجنيس فدائيي صدام
تعتبر البحرين من أبرز الدول التي وُثقت فيها عمليات تجنيس لعراقيين مرتبطين بنظام صدام. وتشير المصادر إلى أن هذه العملية شملت أعداداً كبيرة من البعثيين وأنصار صدام وفدائيي صدام:
- أكثر من 1000 عنصر من فدائيي صدام حصلوا على هوية بحرينية وتم توظيفهم في الأمن الداخلي.
- مصادر بحرينية تشير إلى أن العدد وصل إلى خمسين ألف بعثي تم تجنيسهم.
- تقارير أخرى تذكر أن العدد يقارب 15 ألف تم تجنيسهم، وأن أول ظهور لهم كان في قرية السنابس قبل حوالي خمسة أشهر.
وقد تم نقل هؤلاء من العاصمة الأردنية عمان إلى المنامة على متن خطوط "غلف إير"، وكان العميد طارق الشمري، أحد قادة الحرس الجمهوري في عهد صدام، مسؤولاً عن عملية النقل[25].
الكويت: حالات فردية
شهدت الكويت حالات تجنيس لعراقيين مرتبطين بالنظام السابق، وإن كانت أقل حجماً من البحرين:
- ضابط استخبارات عراقي سابق تم تجنيسه في الكويت، حيث كشفت التحقيقات أنه استخدم وثائق مزورة وهويات متعددة، وكان له دور في التعاون مع الجيش العراقي أثناء الغزو.
- رائد في فدائيي صدام حصل على الجنسية الكويتية عام 2004 بموجب "بند الخدمات الجليلة"، على الرغم من أنه جدد قيده وبطاقته المدنية في العراق لاحقاً.
الولايات المتحدة: عميل "نائم"
توثق القضايا القضائية الأمريكية حالة تجنيس لعميل سابق في جهاز المخابرات العراقي. فقد تم تجنيس "سامي لاتشين"، وهو عميل لجهاز المخابرات العراقي (IIS) من 1979 إلى 1993، وحصل على الجنسية الأمريكية عام 1998 عن طريق الكذب في طلبه. كان جزءاً من خطة صدام لزرع عملاء "نائمين" حول العالم. تم إدانته لاحقاً وسحب الجنسية منه[26].
سابعاً: التأثير على التركيبة السكانية — أرقام صادمة
القفزة السكانية من 27 إلى 46 مليوناً
عند تحليل القفزة السكانية في العراق من حوالي 27 مليون نسمة عشية الغزو الأمريكي عام 2003 إلى حوالي 46 مليون نسمة في تعداد 2025، لا يمكن إرجاعها بالكامل إلى النمو الطبيعي للسكان. فبينما يفسر النمو الطبيعي (بمعدل 2.5% سنوياً) جزءاً كبيراً من هذه الزيادة، فإن عمليات التجنيس الجماعي تضيف طبقة أخرى خطيرة من التعقيد.
أرقام التعداد الرسمي
أعلنت وزارة التخطيط العراقية في نوفمبر 2025 النتائج النهائية لأول تعداد شامل منذ 37 عاماً:
- إجمالي السكان (عراقيين وأجانب): 46,118,793 نسمة.
- العراقيون فقط (باستثناء 340 ألف أجنبي): 45,778,662 نسمة.
- معدل النمو السكاني: 2.5% سنوياً، أي ما يقارب مليون نسمة إضافية كل عام.
لماذا لم يُجرِ التعداد منذ 2007؟
من الأسئلة الجوهرية التي تطرح نفسها: لماذا تم تأجيل التعداد السكاني العام في العراق منذ عام 2007 وحتى 2025؟ تشير تقارير إلى أن "التجنيس بدأ منذ 2003 وأول من بدأ في محافظة ديالى بالتحديد إذ حصل تغيير ديمغرافي حتى عام 2019، ولهذا السبب لم يتم إحصاء التعداد السكاني العام في العراق للعام 2007 والعام 2018 وذلك لإخفاء عمليات التزوير التي حصلت"[27].
التأثير على المحافظات ذات الأغلبية السنية
يتركز التأثير الأكبر لعمليات التجنيس في المحافظات ذات الأغلبية السنية والمناطق المختلطة:
- بغداد: تشير تقارير إلى أن مشروع التعديل "سيضيف إلى سكان بغداد نحو 4 ملايين شخص أجنبي، ويغيّر الوجه العربي والهوية العربية للعاصمة".
- النجف الأشرف: "لم يعد الحديث عن حالات فردية، بل عن واقعٍ يتحدث عن وجود أحياءٍ كاملة يسكنها مجنّسون".
- ديالى: شهدت تغييراً ديموغرافياً واسعاً منذ 2003.
- صلاح الدين وبابل وحزام بغداد: مناطق تستهدف بتهجير سكانها الأصليين وتوطين مجنسين مكانهم.
ثامناً: ردود الفعل المحلية والدولية
الرفض الشعبي والسياسي
أثار ملف التجنيس ردود فعل غاضبة ورافضة في الشارع العراقي. وقد "رفض مواطنون وناشطون مدنيون منح الجنسية العراقية للأجانب من دول البحرين والإمارات والكويت التي أسقطت جنسياتهم بسبب التخابر مع إيران، ما يعني أن هؤلاء خانوا أوطانهم التي كانوا يعيشون فيها".
وحذر الناشطون من أن "هؤلاء لن يكون ولاؤهم للعراق، كما أن ولاءهم لم يكن لأوطانهم السابقة، واتهموا الداعين لتجنيسهم بالخيانة والعمل على تحقيق التغيير الديمغرافي في العراق ودعم أجندات إيران في البلاد".
موقف هيئة علماء المسلمين في العراق
أصدرت هيئة علماء المسلمين في العراق عدة بيانات تحذر من مخاطر مشروع التجنيس، مؤكدة أنه "يهدد التركيبة الديموغرافية ويسعى لطمس هوية العراق العربية". واعتبرت أن "التعديلات التي تسعى السلطات الحكومية لإجرائها؛ ملغومةَ لا تصب في صالح العراقيين؛ لما لها من آثار سلبية كبيرة على المجتمع، وتأتي في إطار خدمة المشروع الإيراني"[28].
مركز الرافدين للعدالة وحقوق الإنسان
عبر المركز عن مخاوفه من "محاولات التلاعب والتحايل على القانون في منح الجنسية العراقية للأجانب، مؤكداً أن الدواعي في منحها ستكون طائفية ومذهبية ودافعها الأساس هو تحقيق الأجندات الإيرانية"[29].
الصمت الحكومي المريب
من أخطر ما يلفت الانتباه في هذا الملف هو الصمت المطبق من الحكومة العراقية. فقد "مارست حكومة الإطار التنسيقي برئاسة محمد شياع السوداني صمتاً مطبقاً على قضية تجنيس غير العراقيين وتمكين شخصيات تدور حولها الشبهات من الحصول على الجواز العراقي، بعدما عادت إلى الواجهة مرة أخرى بعد تسرب وثائق تُثبت حصول مواطنين أجانب على الجنسية والجواز العراقيين"[30].
ويُعزو مراقبون هذا الصمت إلى "عدم قدرة الحكومة في بغداد تبرير منح الجنسية بغير شرعي بعدما تمت عمليات التجنيس بدوافع سياسية وديمغرافية وخلافاً للقانون، وشملت أعداداً كبيرة من غير العراقيين أصلاً".
خاتمة: ملف يهدد مستقبل العراق
ما تقدمه الوثائق والشهادات والتقارير يرسم صورة قاتمة لمشروع تجنيس واسع النطاق يهدف إلى تغيير الهوية الديموغرافية للعراق لصالح أجندات إقليمية، وعلى رأسها الأجندة الإيرانية. لم يعد هذا الملف مجرد قضية إدارية أو قانونية، بل أصبح قضية وجودية تمس صميم الهوية الوطنية العراقية وتوازن القوى السياسية في المستقبل.
تشير الأرقام الموثقة إلى أن عدد المجنسين يتراوح بين 4 ملايين (حسب شهادة وزير عراقي سابق) و10 ملايين (حسب تقديرات وجهاء وشيوخ عشائر). حتى لو اعتمدنا الحد الأدنى لهذه الأرقام، فإن التأثير على التركيبة السكانية للعراق - البالغ عدد سكانه 46 مليوناً - سيكون هائلاً، خاصة مع تركز عمليات التجنيس في المحافظات ذات الأغلبية السنية.
إن استمرار الصمت الحكومي والتعتيم على هذا الملف لا يخدم إلا من يسعى إلى طمس هوية العراق العربية وتفكيك نسيجه الاجتماعي. ويبقى السؤال الأهم: إلى متى سيستمر هذا المشروع؟ وما هو الثمن الذي سيدفعه العراقيون - بجميع مكوناتهم - في حال استمراره؟
📚 الهوامش والمراجع
يمكنك استبدال روابط النطاقات الرئيسية بروابط المقالات الأصلية الدقيقة عند الرجوع إليها.
- هيئة علماء المسلمين في العراق — بيانات رسمية حول مخاطر مشروع التجنيس وطمس الهوية العراقية. www.iamsiraq.org
- هيئة علماء المسلمين — وصف ملف التجنيس بـ"المشروع الإيراني لمصادرة عروبته". المصدر السابق.
- هيئة علماء المسلمين — تقرير حول استغلال قانون الجنسية لتغيير هوية الدولة.
- قانون الجنسية العراقية رقم (26) لسنة 2006 — الوقائع العراقية. www.iraqld.iq
- تقارير صحفية حول تعديل 2019 و"البصمات الإيرانية" — صحيفة العربي الجديد. www.alaraby.co.uk
- تصريح عمار طعمة، رئيس كتلة النهج الوطني البرلمانية، حول 6 ملايين إيراني يدخلون العراق سنوياً.
- تقارير حول تجنيس مئات الآلاف من الإيرانيين بحجة "العراقيين المبعدين" — وكالة شفق نيوز. shafaq.com
- تصريح غزوان صالح كريم، مدير الجنسية في النجف الأشرف، حول 7000 أجنبي في المحافظة.
- مركز الرافدين للعدالة وحقوق الإنسان — تقرير حول تجنيس الإيرانيين والأفغان والباكستانيين تحت عناوين الحوزات والإقامة الخاصة.
- تصريح الشيخ طامي المجمعي — الإعلامي وعضو مجلس شيوخ ووجهاء عشائر صلاح الدين، حول سيطرة منظمة بدر على دائرة السفر والجنسية.
- تصريح اللواء مقداد ميري، مدير الأحوال المدنية والجوازات — وكالة الأنباء العراقية. www.ina.iq
- شهادة وزير عراقي سابق حول تجنيس 4 ملايين أجنبي — تقارير إعلامية عربية.
- تقديرات السياسي العراقي ثائر البياتي (5 إلى 7 ملايين مجنس).
- تحذير الشيخ طامي المجمعي (أبريل 2026) حول أرقام 7-10 ملايين مجنس.
- تقارير صحفية عربية حول إضافة 4 ملايين شخص أجنبي إلى سكان بغداد.
- هيئة علماء المسلمين — بيانات حول مخاوف المنظمات الحقوقية من استغلال السلطة للتجنيس.
- تقارير باحثين حول أرقام 7-10 ملايين مجنس وتأثيرهم على بنية الدولة العراقية.
- مركز الرافدين — معلومات حول إسكان مجموعات مرتبطة بمحاور إقليمية في مدن عراقية.
- تقارير حول حصول مظلوم عبدي على وثيقة سفر عراقية باسم "خليل محمد حسين" — قناة روداو. www.rudaw.net
- تصريح الشيخ طامي المجمعي حول تعيين مجنسين في مواقع حساسة ومنحهم رواتب.
- تصريح اللواء مقداد ميري — الرواية الرسمية لوزارة الداخلية العراقية.
- تصريح عمار طعمة — كتلة النهج الوطني البرلمانية.
- تصريح إبراهيم الجعفري، وزير الخارجية العراقي السابق (2004) — تقارير إعلامية.
- تقديرات السياسي ثائر البياتي — تقارير إعلامية عراقية.
- تقارير حول تجنيس فدائيي صدام في البحرين والكويت — صحيفة الوسط البحرينية. www.alwasatnews.com
- قضية "سامي لاتشين" — وثائق المحاكم الفيدرالية الأمريكية. www.justice.gov
- تقارير حول أسباب تأجيل التعداد السكاني في 2007 و2018 — تقارير إعلامية.
- هيئة علماء المسلمين — بيان حول التعديلات "الملغومة" لقانون الجنسية.
- مركز الرافدين للعدالة وحقوق الإنسان — بيان حول الدوافع الطائفية للتجنيس.
- تقارير حول صمت حكومة محمد شياع السوداني على ملف التجنيس — صحيفة العرب. alarab.co.uk
تعليقات
إرسال تعليق