الجزء الرابع : لماذا تُوضع جماعة الإخوان على رأس الجماعات التكفيرية المعاصرة؟

لماذا تُوضع جماعة الإخوان على رأس الجماعات التكفيرية المعاصرة؟

تحليلٌ للأدلة على التأثير المباشر والفكري

في محاولةٍ لفهم جذور الإرهاب المعاصر في العالم الإسلامي، لا يمكن تجاهل الدور المحوري الذي لعبته جماعة الإخوان المسلمين في تهيئة البيئة الفكرية والتنظيمية التي أنتجت أخطر التنظيمات التكفيرية. وقد بيّن الباحثون — وعلى رأسهم الدكتور إبراهيم المحيميد في كتابه "أصول الخوارج المتقدمين" — أن جماعة الإخوان ليست مجرّد حزب سياسي أو دعوي، بل المحطة التأسيسية التي انطلقت منها التيارات الخارجية المعاصرة، سواءً من حيث التأثير الحسي المباشر (الانشقاق التنظيمي)، أو التأثير الفكري المعنوي (الاستيعاب الأيديولوجي).

أولًا: التأثير الحسي المباشر — الانشقاق التنظيمي

المقصود بهذا النوع من التأثير أن مؤسسي الجماعات التكفيرية (القاعدة، داعش، الجهاد، التكفير والهجرة...) كانوا أعضاءً فعليين في جماعة الإخوان، ثم انشقوا عنها بعد أن تبنّوا رؤية أكثر تطرفًا، لكنها في جوهرها امتدادٌ طبيعي لمنهج الجماعة.

  1. شهادة محمود عساف: أقرّ بأن "انحرافات التنظيم السري الخاص" أدت إلى ظهور جماعات مثل "الجهاد" و"التكفير والهجرة"، مؤكدًا أنها نشأت من انسلاخ شباب الإخوان أنفسهم.
  2. شهادة المستشار علي جريشة: اعترف بأن "مجموعة انشقت عن جماعة إسلامية كبيرة" (الإخوان) في السجون، واتخذت منهج التكفير الشامل، وهي نواة "التكفير والهجرة".
  3. وثيقة "لماذا أعدموني" (سيد قطب): تشير إلى أن سيد قطب كان "أميرًا روحيًّا" لخلايا سرية من كوادر الإخوان، مما يثبت أن التنظيم المسلح بدأ داخل الجماعة.
  4. اعتراف أيمن الظواهري: أكد أن "تلاميذ سيد قطب من شباب الإخوان" هم الذين شكّلوا الخلايا الأولى لـ"الجهاد المصري".
  5. شهادة قيادي إخواني: تفيد بأن فكرة التكفير نشأت داخل سجن القناطر بين شباب الإخوان المتأثرين بقطب.
  6. الانفصال الشخصي: **بن لادن** كان عضوًا في الجماعة وأرسلوه لأفغانستان، و**البغدادي** أكد القرضاوي أنه "كان عضوًا في جماعة الإخوان".
الخلاصة: كل مؤسسي التنظيمات الإرهابية التي "أهلكت الحرث والنسل" كانوا من فلول جماعة الإخوان، وانطلقوا منها تنظيميًّا، لا من فراغ.

ثانيًا: التأثير الفكري المعنوي — التبني الأيديولوجي

حتى لو افترضنا أن بعض الجماعات لم تنشأ من انشقاق مباشر، فإن الإطار الفكري الذي بُنيت عليه مستمدٌّ من منهج الإخوان، خصوصًا من خلال:

  • تقديس مفهوم "الحاكمية" كغاية الدين،
  • اعتبار الدولة الإسلامية "فريضة عين"،
  • ربط الإيمان بالانتماء التنظيمي،
  • تهميش دور أهل العلم الشرعي،
  • تبني ثنائية "الولاء والبراء" بشكل مطلق.

ويؤكد أبو مصعب السوري — المؤرخ المعروف للفكر الجهادي — أن "الجماعات الجهادية الحركية انبثقت عن الصحوة الإسلامية... وحملت مؤثرات فكر الإخوان المسلمين"، مشيرًا إلى أن هذه المؤثرات تتمحور حول الأصول السبعة عشر للخوارج: التكفير الجماعي، استباحة الدماء، الهجرة... إلخ.

خاتمة: لماذا هذا التصنيف مهم؟

وضع جماعة الإخوان على رأس الجماعات التكفيرية ليس اتهامًا عاطفيًّا، بل استنتاجًا منهجيًّا مبنيًّا على شهادات من داخل الجماعة واعترافات قادة الإرهاب. والهدف هو التحذير من أن الانحراف لا يبدأ بالسيف، بل بالفكرة. فحين يُقدّم الدين كـ"مشروع سلطة" بدل "منهج حياة"، فإن الطريق إلى "الخوارج" يصبح ممهّدًا، مهما اختلفت الأسماء.

"من فمك أُدينك" — وليس من كلام خصومك.

يتبع في المقال القادم: تفصيل التأثير الفكري المعنوي، ومقارنة منهجية بين أصول الإخوان وأصول الجماعات التكفيرية.

*المصدر: مقتطفات وتحليلات من كتاب "أصول الخوارج المتقدمين" للدكتور إبراهيم المحيميد من جمع وإعداد المتفائل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي