الجزء السادس: التأثير الفكري المعنوي: كيف صار "المعالم" دستورًا للخوارج؟

التأثير الفكري المعنوي لجماعة الإخوان على الجماعات التكفيرية:

كيف صار "المعالم" دستورًا للخوارج؟

إذا كان التأثير الحسي المباشر لجماعة الإخوان على التنظيمات التكفيرية يتمثّل في الانشقاق التنظيمي لمؤسسي القاعدة وداعش من صفوفها، فإن التأثير الأعمق — والأكثر خطورة — هو التأثير الفكري المعنوي: ذلك التأثير الذي جعل منهج الإخوان، خصوصًا في مرحلته "القطبية"، المرجعية الفكرية الأساسية لمعظم التيارات التكفيرية المعاصرة، حتى تلك التي لم ترتبط بها تنظيميًّا.

ويستند هذا التأثير إلى ثلاثة أعمدة فكرية رئيسة وضعتها شخصيات محورية في الجماعة:

  1. حسن البنا: الذي أسّس للرؤية السياسية للإسلام، وأنشأ "تنظيمًا سريًّا" داخل الجماعة، وربط البيعة بالسلاح.
  2. أبو الأعلى المودودي: الذي صاغ مفاهيم "الحاكمية"، و"الولاء والبراء"، و"الدولة الإسلامية" بلغة عصرية.
  3. سيد قطب: الذي حوّل هذه الأفكار إلى منهاج تكفيري عملي في كتابه "معالم في الطريق"، مُعلِنًا أن "المجتمعات كلها جاهلية"، بل و"كافرة".

وفيما يلي عرضٌ تحليليٌّ للأدلة التي تثبت هذا التأثير، مستمدة من شهادات باحثين، ومن قادة التنظيمات التكفيرية أنفسهم، بل وحتى من رموز الإخوان.


الأدلة العشرة على التأثير الفكري المعنوي

  1. ١. شهادة أبو مصعب السوري: الجذور الفكرية المشتركة يؤكد المؤرخ الجهادي أبو مصعب السوري أن "الجماعات الجهادية الحركية انبثقت عن الصحوة الإسلامية مطلع الستينيات، وحملت مؤثرات فكر الإخوان من 1960 إلى 2001". ويشير إلى أن هذه المؤثرات تتمحور حول الأصول السبعة عشر التي تميّز الخوارج: التكفير الجماعي، استباحة الدماء، الهجرة من ديار المسلمين... إلخ.

    هذا يدلّ على أن حتى من لم يكن عضوًا في الجماعة، تبنّى منهجها المعدّل.

  2. ٢. الثلاثي المؤسّس: البنا – المودودي – سيد قطب
    • البنا وضع "البدايات الخجولة للتفسير المنحرف"، حيث قدّم الأنبياء كـ"مؤسّسين لحكومات"، وأنشأ "تنظيمًا سريًّا" يقوده رجل دموي (السندي)، وسكَت عن جرائمه.
    • المودودي "صقَل" هذه الأفكار، و"هذّبها"، ووضّح مفاهيم "الحاكمية" و"الولاء والبراء" في كتبه، خصوصًا في "المصطلحات الأربعة".
    • سيد قطب حوّل النظرية إلى تطبيق عملي، فجاء كتابه "معالم في الطريق" كـ"دستور للجهاديين"، كما وصفه الظواهري.
  3. ٣. انتساب التكفيريين إلى "المذهب القطبي" يروي أحمد رائف — في كتابه "صفحات من تاريخ الإخوان" — أن من طرق التعرّف على أعضاء الإخوان في السجون أن يقول أحدهم: "أخوك فلان الزعبلاوي"، فيُجاب: "إقامته في سجن كذا، القطبي مذهبًا".

    هذا يثبت أن "القطبية" صارت هوية فكرية داخل الجماعة، بل وخارجه.

  4. ٤. دور المودودي في تأسيس الفكر الجهادي يؤكد أبو مصعب السوري أن كتابات المودودي في الخمسينيات كانت "مادة أساسية لتبلور فكر الجهاد" في باكستان، خصوصًا في مفاهيم "شهادة التوحيد"، و"الولاء والبراء"، و"ميلاد الدولة الإسلامية".
  5. ٥. اعتراف القرضاوي بتكفير سيد قطب يقول يوسف القرضاوي — القيادي الإخواني البارز — إن كتب سيد قطب "تنضح بتكفير المجتمع"، وتدلّ على أنه "لا يقصد الجاهلية السلوكية فقط، بل جاهلية العقيدة والكفر بالله". ويضيف أن فكر سيد أثار جدلًا داخل الإخوان أنفسهم، وأنه رأى "تجمعات تسمّى القطبيين تتبنّى فكرة التكفير"، بل وصل الأمر إلى أن يسأل بعضهم: "هل نصلي في المساجد أم نعتبرها معابد جاهلية؟".
  6. ٦. انقسام الصحوة إلى مدرستين: "المعالم" مقابل "دعاة لا قضاة" يوضح أبو مصعب السوري أن كتاب "معالم في الطريق" شكّل "فكر الحاكمية، والتمايز، والمفاصلة، والحكم بالكفر على الأنظمة"، بينما مثل كتاب "دعاة لا قضاة" (لمحمد الغزالي) بداية "مسار التراجع" داخل الجماعة.

    وهذا الانقسام الفكري ولّد "المدرسة الشاذة للتكفير" في سجون مصر.

  7. ٧. شهادة الظواهري: "سيد قطب وضع دستور الجهاديين" يقول أيمن الظواهري: "سيد قطب هو الذي وضع دستور الجهاديين في كتابه الديناميت (معالم في الطريق)"، واصفًا فكره بأنه "شرارة البدء في إشعال الثورة الإسلامية ضد أعداء الإسلام في الداخل والخارج".
  8. ٨. انتشار الفكر عبر المدرّسين يبيّن أبو مصعب السوري أن انتشار دعوة الإخوان عبر "المعلّمين" في الدول العربية — خصوصًا في السعودية — سمح بنقل "الفكر الثوري الخارجي" إلى بيئات إسلامية كانت بريئة منه، مما "لوّث البيئات الإسلامية".

    وهذا يتوافق مع ما قاله سمو الأمير نايف رحمه الله: "الإخوان سبب المشاكل في عالمنا العربي والإسلامي".

  9. ٩. اعتراف المقدسي: "رضعنا الظلال والمعالم" يقول أبو محمد المقدسي — منظّر التكفير الأول —: "الإخوان قد أرضعونا الظلال والمعالم رضاعة في طور الحضانة". ويضيف أن هذه "الرضاعة الخبيثة" ولّدت:
    • تكفير علماء كالشيخين ابن باز وابن عثيمين،
    • تكفير دولة التوحيد (السعودية)،
    • اعتبار مكة والمدينة "داري كفر".
    ويصفه الظواهري بأنه "البحر الزخار من العلم"، مما يثبت أن المقدسي هو الامتداد الفكري المباشر لسيد قطب.
  10. ١٠. "معالم في الطريق" كتاب الجماعة المعتمد يؤكد الباحث جعفر شيخ إدريس أن جماعات في السودان واليمن — دون تواصل بينها — اجتمعت على كتاب "معالم في الطريق" كمرجع فكري. ويُفنّد دعوى "الجماعة لا تتحمل فكر سيد"، فيقول:

    "الجماعة اعتبرته رمزًا منذ انضمامه، ولم تتبرأ من فكره، بل جعلت المعالم أداة لتسميم عقول الشباب".

    ويؤكد ذلك شهادة زينب الغزالي، التي تروي أن المرشد العام حسن الهضيبي قال عن سيد قطب:

    "هذا الكتاب حصر أملي كله في سيد... سيد قطب هو الأمل المرتجى للدعوة الآن".


خاتمة: لماذا لا يمكن فصل "الإخواني" عن "التكفيري"؟

الفرق بين جماعة الإخوان والجماعات التكفيرية ليس فرقًا جوهريًّا في الأصول، بل في الدرجة:

  • الإخوان قدّموا الأفكار بـ"لباس دعوي"،
  • بينما التكفيريون طبّقوها بـ"سيف وتفجير".

لكن المنبع واحد، والمنهج واحد، والرموز واحدة. فمن رضّع على "الظلال" و"المعالم"، لا يُستغرب أن يخرج "كلبًا من كلاب النار"، كما وصف النبي ﷺ الخوارج.

والتحذير من هذا الفكر لا يعني إنكار وجود إصلاحيين في مراحل تاريخية معينة، بل هو تحذير من المنهج الذي يُنتج التكفير، مهما اختلفت أسماؤه أو أشكاله.


يتبع

*المصدر: مقتطفات وتحليلات من كتاب "أصول الخوارج المتقدمين" للدكتور إبراهيم المحيميد، مع إضافات من شهادات باحثين وقيادات متطرفة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي