الجزء الثاني: الإخوان المسلمون: الوعاء الحروري الذي أنجب القاعدة وداعش

الجزء الثاني: جذور الفكر التكفيري المعاصر — من الإخوان إلى القاعدة وداعش

في سياق تتبع الجذور الفكرية للجماعات التكفيرية المعاصرة، يشير الدكتور إبراهيم المحيميد في كتابه "أصول الخوارج المتقدمين" إلى أن جماعة الإخوان المسلمين تُعدّ، من منظور تحليلي نقدي، "الوعاء الحروري" الذي انطلق منه ما يُمكن تسميته بـ"المارد الخارجي المعاصر". فكما أن الخوارج الأوائل خرجوا على خليفة راشد تحت شعارات دينية مغلوطة، فإن التيارات المتطرفة اليوم — وعلى رأسها تنظيما القاعدة وداعش — لم تنبثق من فراغ، بل نشأت من رحم خطابٍ فكري بدأ بالتمهيد لفكرة "الحاكمية" كغاية الدين، ثم تدرّج نحو التكفير والعنف.

الإخوان: الأصل الذي تفرّعت منه الجماعات التكفيرية

يوضح المؤلف أن جماعة الإخوان تُعتبر الأصل التاريخي والفكري للجماعات الثلاث الكبرى في المشهد الإسلامي المعاصر: الإخوان أنفسهم، ثم القاعدة، ثم داعش. وسبب اعتبار الإخوان "الأصل" لا يعود فقط إلى كونها التنظيم الأقدم زمنيًّا، بل لأن أغلب الجماعات التكفيرية خرجت من تحت عباءتها الفكرية والتنظيمية، بل وورثت عنها أصولًا جوهرية في فهم الدين، خصوصًا فيما يتعلق بـ:

  • تصوير الحكام المسلمين بأنهم مصدر الفساد الأساسي،
  • جعل "الحاكمية" غاية الدين وخلاصة دعوة الرسل،
  • تبني منهج المصادمة مع الدولة والمجتمع بدلًا من الإصلاح من الداخل.

وقد خالف هذا التوجّه منهج القرآن الكريم والسنة النبوية، بل وخالف سيرة الأنبياء والرسل، الذين دعوا إلى التغيير بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بالسيف والتفجير.

القاعدة وداعش: وجهان لعملة واحدة

ويشدّد المؤلف على أن تنظيم القاعدة هو الجذر المباشر لتنظيم داعش، لا من حيث البنية التنظيمية فحسب، بل من حيث الأصول العقدية والفكرية. فالخلاف بينهما، كما ينقل عن قيادتهما أنفسهم، ليس خلافًا عقديًّا، بل هو خلافٌ على "الملك والسياسة"، أي على القيادة والسلطة، وليس على المبادئ. وقد ورد في تصريحات واضحة من قادة داعش أنهم كانوا فرعًا من القاعدة قبل الانفصال التنظيمي، وهو ما يُثبت أن كليهما ينبع من منبعٍ فكريٍّ واحد.

منهجية البحث: النقل من المصادر الأصلية

ومن باب الأمانة العلمية والتحصّن من الاتهام بالتحيّز، يوضح الدكتور المحيميد أن اعتماده في تحليل فكر جماعة الإخوان كان على خمسة كتب أساسية كتبتها شخصيات بارزة داخل الجماعة نفسها، ومنها:

  1. مؤلفات حسن البنا، المؤسس الأول للجماعة.
  2. "حقيقة التنظيم الخاص" لمحمود الصباغ، الذي قدّم له المرشد السابق مصطفى مشهور، مشيرًا إلى أن المؤلف "عرف الحقيقة من واقع الممارسة لا من السمع والنقل".
  3. "مع الإمام الشهيد" لمحمود عساف، أحد أقرب المقربين من البنا، والذي وصفه نجل البنا بأنه كان "محبوبًا جدًّا لدى والدي".
  4. "الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ" لمحمود عبد الحليم، أحد الرواد الأوائل، والذي قدّم له مصطفى مشهور أيضًا، رغم أن المؤلف نفسه واجه انتقادات داخلية لجرأته في كشف بعض "أسرار" الجماعة.
  5. "في قافلة الإخوان المسلمين" لعباس السيسي، أحد تلامذة البنا المباشرين.

ويشير المؤلف إلى أن هذه الكتب جميعها منشورة على الموقع الرسمي للجماعة، وأنه اعتمد عليها لأنها تمثّل "الصوت الداخلي" للإخوان، لا روايات الخصوم. كما استعان بنصوص لرموز معاصرة من الجماعة — كالقرضاوي — ممن لا يُتهمون بالتحيّز ضدها، مُطبّقًا المبدأ العلمي: "من فمك أُدينك".

أما بالنسبة لأصول تنظيم القاعدة، فقد استند المؤلف إلى كتابات قادته ومنظّريه أنفسهم، مثل:

  • أسامة بن لادن،
  • أيمن الظواهري،
  • سيد إمام (الشرعي)، الذي وصفته القاعدة بأنه "عالم جليل"،
  • أبو محمد المقدسي، الذي وصفه الظواهري بـ"البحر الزخار من العلم".

وقد تجنّب المؤلف في هذا السياق الدخول في مناقشات جانبية أو الرد على الشبهات بشكل موسّع، لأن مقصد الدراسة هنا ليس الجدل الفكري، بل إثبات التطابق بين الأصول الفكرية للإخوان والجماعات التكفيرية التي تفرّعت عنها.

خلاصة هامة

الهدف من هذا التحليل كشف التسلسل الفكري الخطير الذي بدأ بتأويلات مغلوطة لمفاهيم شرعية، ثم تحوّل إلى تكفير، ثم إلى عنف مسلّح، ثم إلى إراقة دماء الأبرياء باسم الدين. إن فهم هذا المسار يُعدّ خطوةً أولى في الوقاية من الانزلاق في فخّ التطرّف، وتأكيدًا على أن الانتماء للإسلام لا يُقاس بالشعارات، بل بالالتزام بمقاصد الشريعة، واحترام الدماء، والتمسّك بمنهج أهل السنة والجماعة.

يتبع...

*المصدر: مقتطفات من كتاب "أصول الخوارج المتقدمين" للدكتور إبراهيم المحيميد، مع تعليق تحليلي من إعداد المتفائل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هل حماس مشروع فلسطيني ام مشروع وظيفي؟!

دراسة: علاقة حماس بإيران

الصرخة عند جماعة الحوثي